السبت، 20 فبراير 2010

نقيب البريد والقانون 47 لسنة 1978



النقابة العامة للبريد نقابة عمالية، تعمل من خلال مظلة القانون رقم 12 لسنة 1995، ومن ثم فهي خاضعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر ووزارة القوي العاملة، وهي جهات حكومية تنفيذية، تطبق السياسات الحكومية وتمتثل لتوجهات وتعليمات الدولة.

لا أعرف الخلفية التاريخية وأسباب إنشاء نقابة للبريد، ولا أعرف سبباً لتصنيفها كنقابة عمالية، فجميع موظفيها لهم صفة إدارية ومهنية ولا علاقة لهم بالصفة العمالية، فمعظم العاملين بالبريد المصري من حملة المؤهلات التجارية، أكثرهم أعضاء بنقابة التجاريين والبعض الآخر يمكن أن ينضم إليها، أما باقي التخصصات من مهندسين ومحامين فهم ينضمون لنقابة المهندسين والمحامين لضرورة مزاولة المهنة، وكلها نقابات مهنية لاتجبر أحد للانضمام إليها، بخلاف النقابة العامة للبريد التي تستقطع اشتراكاتها من العاملين من منبع رواتبهم الشهرية.

الفرق الذي نشاهده الآن بين النقابات العمالية والنقابات المهنية، أن تلك الأخيرة تدافع عن أعضائها دفاعا عميقا وبكل الطرق والوسائل المشروعة والقانونية، وتحاول انتزاع حريتها واستقلالها عن الجهات التنفيذية بالدولة، بغية تحقيق مكاسب لأعضائها والاستفادة القصوي من مواردها واشتراكات أعضائها، وهو ما يحقق الانتماء والتوحد والعمل بروح الفريق من أجل مزيد من التجانس والتكافل بين أعضائها، وتعزيز الدور المهني والتقني في المجتمع... كما أننا نري انتخاب معظم مجالس إدارات تلك النقابات تتم بحرية ونزاهة وبإرادة حرة من أعضائها، ونقابة الصحفيين والمحاميين والأطباء خير شاهد على نجاح تلك التجربة، والبعض الآخر يكافح أعضائها المخلصين من أجل مزيد من الاستقلالية كنقابة المهندسين والتجاريين، بخلاف النقابات العمالية التي تسير في فلك توجهات وتعليمات وزارة القوي العاملة، مما جعلها عاجزة عن الدفاع عن أعضائها ومنتسبيها.

أما نقابة البريد فلا محل لها من الإعراب في الدفاع عن أعضائها، فخدماتها ضعيفة، ومشروعاتها تكاد لا تري، وأعضاؤها الذين يزيدون عن خمسين ألف مهمشون إلا نفر قليل منهم، ولا يوجد ميزة واحدة نذكرها من باب ذر الرماد في العيون سواء للأعضاء الحاليين أو ممن بلغ سن المعاش !!..

كلنا نعرف تلك الحقائق ولا نحتاج إلى دليل أو استبيان، ولكن ما أوجعني موقف النقيب الحالي بتصريحه لصحيفة المصري اليوم "بأن النقابة لن تقف بجوار أي عامل بالهيئة القومية للبريد في حال مخالفته للقوانين والقواعد واللوائح المعمول بها داخل الهيئة، وبأن القانون رقم 47 لسنة 1978 الخاص بالعاملين في المؤسسات العامة ووحداتها الاقتصادية والوظيفة العامة مناط بتأديب كل من ارتكب الخطأ الإداري، وأضاف أن مبدأ الشرعية ودور الإدارة في الخطأ التأديبي هو الذي يحكم العمل داخل الهيئة ... وكأن السيد النقيب الحالي أختصر القانون المشار إليه في فصله الحادي عشر فقط "في التحقيق مع العاملين وتأديبهم" وأغفل باقي فصول القانون كالفصل الثاني "في التعيين في الوظائف" والفصل الرابع "في الترقية" والفصل الخامس "في الأجور والعلاوات" .... فمن المفترض أن هذا القانون أصدر لحماية العاملين ومكتسابتهم ولتحقيق المساواة والعدالة وإثابة ومكأفاة المجتهد ومحاسبة المقصر، والالتزام بكامل نصوصه ليس في صالح العاملين فقط، بل لصالح الإدارة في تيسير شئون المنشأة وتحقيق العدل والطمأنينة لكافة العاملين، وهذا ما افتقدته الأسرة البريدية في السنوات الأخيرة بتفاوت الأجور والبدلات والحوافز، والتمييز الواضح للبعض على حساب الآخر، والافتقاد للشفافية في التعيين والترقي... فكان حرياً بالسيد النقيب أن يدافع عنها حرصا على أعضاء النقابة ودفاعاً عن حقوقهم المشروعة في الترقي والمساواة، فالأعضاء سوف يذكرون دائماً من يدافع عن حقوقهم، ولا يذكرون من يذكرهم بلائحة الجزاءات !!..
.
وللحديث بقية ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الاثنين، 8 فبراير 2010

سرقات المكاتب البريدية !!..

.
كلنا نعرف قصة علي بابا والأربعـين حرامي!!.. أبطال القصة الرئيسية ثلاثة: علي بابا وأخيه قاسم والأربعين حرامي... الأول: قادته الصدفة فقام بسرقة مغارة الإربعين حرامي، ولكن كانت نيته طيبة وخير وكريم وقنـوع، والثاني: حـاول السرقة ولكن نيته سيئة وبخــيل وجشــع، أمــا الأربعـين حرامي فهم لصــوص محترفـون، شـيوخ منصـر بالنـية والعمـل معـاً، وجميـعاً ينطـبق عليهم عنـوان راويـة الكاتـب الراحــل إحسـان عبـد القـدوس "يا عزيزي كلنا لصوص..."، ورغم اختلاف نظرات الناس للأبطال الثلاثة، فمعظم الناس تجدها متعاطفة مع علي بابا، وتصوره على أنه بطل، خير وقنوع وطيب القلب رقيق الحال، بينما تلعن وتصب جامع غضبها على أخيه الجشع الشرير وعصابة الأربعين، منطق يحتاج إلى مزيد من الفهم المتعمق!!..
.
هذه القصة بأبطالها الثلاثة تتكرر بصفة مستمرة بالبريد المصري، فسرقات المكاتب البريدية المنتشرة بإرجاء الجمهورية تتعدد وتتنوع أشكالها، وأبطالها لا تخرج عن ثلاثة أيضاً، وأن اختلفت المغارة وكلمة السر " افتح يا سمسم..."، وهي بالطبع ليست سرقات فريدة من نوعها، فحوادث سرقات المكاتب البريدية منتشرة بالعالم، فثمة مكاتب بريدية تم سرقتها مؤخراً باليابان والجزائر والأردن والبحرين وغيرها من البلدان، ولكن تكـرار السرقات والاختلاسات وتنوعـها بمكاتب البريد المصري يثير كثير من التساؤل والتعجب!!..
.
وأرصــد هنــا بعــض تلــك السرقــات التي تـم الكشـف عنـها مؤخــراً على سبـــيل المثــــال لا الحصـــر:
- موظـفة بمكتب بريــد الغردقـة قامت باختــلاس 6.7 مليــون جنــية بالتلاعــب في حســابات المكــتب عن طــريق الحاســب الآلــي بإضــافتها لحســاب والدتــها في نفس المكتب، وقد أمــرت نيــابة الغردقة بحبس المتهمة خمسة عشر يومــا على ذمــة التحقــيق (اليــوم الســابع 29/3/2009).
- موظــف بمكتب بريد العريش الرئيسي اختـلس مبلــغ 15 ألف جنــية من خــلال التلاعــب في حساب أحــد العمـــلاء، وبمواجــهة النيــابة له أعتــرف وقــام بـرد المبلــغ للعمــيل، إلا أنه لن يعفــيه ذلــك من الاتهــامات المتعــلقة بالاختــلاس والتــزوير (اليــوم الســابع 17/1/2010).
- وكيل مكتب بريد السوسي التابع لمنطقة بريد البحيرة أتهم بالتلاعب في حسابات التوفير لبعض العملاء والاستيلاء علي نحو 27 الف جنية منها، وقد أحيل لنيابة البحيرة للتحقيق (اليوم السابع 6/10/2009).
- تمكنت أجهزة الأمن بمحافظة حلوان من ضبط مدير مكتب بريد التبين باختلاس مبلغ 90 ألف جنية من خزينة المكتب وأدعي إصابته من مجهولين اقتحما عليه المكتب وانهالا عليه طعناً بالمطاوي، حيث تبين بعد توقيع الكشف الطبي عليه أنه أصاب نفسه بزجاجة مياه غازية وسرق المبلغ وأخفاه لدي زوج شقيقته، وتم إحالته للنيابة للتحقيق (اليوم السابع 2/2/2009).
- تمكنت أجهزة الأمن بمحافظة قنا من ضبط موظف بمكتب بريد الحصواية التابع لمنطقة بريد قنا من اختلاس مبلغ 243 ألف جنية، حيث تم اكتشافه عن طريق قيام أحد العملاء بتقديم شكوي تفيد غياب مبلغ 22 ألف جنية من حسابه، وتم إحالته للنيابة للتحقيق (اليوم السابع 23/4/2009).
- إحدي عشر حالة اختلاس وقعت بمكتب بريد محمد فريد بوسط القاهرة بمعرفة معاون المكتب، الذي قام بتزوير توقيعات عملاء التوفير، واختلاس ما يقرب من 386 ألف جنية، والذي تم معاقبته غيابيا بالسجن المشدد بخمسة عشر عاما، ومازال هارباً (المصري اليوم 7/3/2009).
- تمكنت شرطة محافظة سوهاج من القبض علي لصين قاما بكسر منافذ مكتب بريد بلصفورة التابع لمنطقة بريد سوهاج وسرقة مبلغ 88 ألف جنـية من خزينة المكتـب، حيث أعترفا بإرتكاب الحـادث وتم ضـبط المبلـغ بحوزتهما وتم عرضهما على النيابة للتحقـيق (مركـز الإعـلام الأمني بـوزارة الداخلـية 19/4/2009).
- تمكنت مباحث البريد بمحافظة الدقهلية من ضبط وكيل مكتب بريد ميت طريف التابع لمنطقة بريد الدقلهية، بعد قيامه باختلاس مبلغ 5 الآف جنية، والذي أعترف بوجود العجز بعهدته وأنه نتج عن خطأ في تعامله مع العملاء، حيث تم إحالته للنيابة للتحقيق (حوادث أون لاين 24/10/2009) .
- تمكنت مباحث البريد بمحافظة أسوان من القبض على عصابة حاولت اختلاس مبلغ 4 مليون جنية من عدة مكاتب بريد بالقاهرة والجيزة يتزعمها وكيل مكتب بريد أسوان، الذي قام بتزوير حوالي 81 حوالة بريدية بأسماء وهمية ، حيث تم القبض على ثلاثة منهم أثناء قيامهم بسحب أربعة حوالات من مكتب بريد المعادي وتبين أنها مزورة (موقع مصراوي 27/6/2009).
- وكيل مكتب بريد بهجورة التابع لمنطقة بريد قنا قام بالاشتراك مع إحدي الموظفات باختلاس نحو مليون وربع المليون جنية من حسابات التوفير، والتي أمرت نيابة نجع حمادي بحبسهما خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق بعدما وردت مئات الشكاوي من العملاء يتضررون فيها من حدوث تلاعب في دفاترهم (المساء 3/9/2009).
.
عشر حالات انتقائية من عشرات الاختلاسات والسرقات التي تمت بمكاتب البريد المصري وتم الإعلان عنها، والتي يصعب تفهم دوافعها وأسبابها، فمن المفترض أن موظف البريد قديماً كان أهم ما يتميز به الأمانة والأخلاق الحميدة والتفاني في عمله والمحافظة على عهدته ومكتبه، فكان فوق مستوي الشبهات، غير أن ما نلاحظه الآن أنه أصبح عنصراً من عناصر خسائر مؤسسته وراعية عيشه، أصبح بدلا من أن يكون حاميها أصبح حراميها، ورغم تعدد جهات التفتيش والرقابة والمحاسبة على تلك المكاتب، إلا أنها لم تحد من هذه الاختلاسات والسرقات بخلاف ما نجده في البنوك.
.
في الأيام الأخيرة تعالت الأصوات بالافتخار بالبريد المصري بكونه يضاهي بل ويتفوق على البنوك المصرية في حجم التعامل وانتشار مكاتبه وجودة خدمته وارتفاع حجم إيداعات العملاء والثقة التي ينالها البريد المصري من جمهور المتعاملين يوماً بعد يوم، وفي المقابل تعالت أصوات أخري من العاملين بالبريد المصري بالمطالبة بالمساواة بنظائرهم من العاملين بقطاع البنوك... وقد أجد نفسي منصفاً لهذه القضية رغم انتمائي بالعمل بالبريد المصري، فالبريد المصري لم يصل بعد لقدرة البنوك المصرية في إدارة أموال المودعين واكتساب الثقة والأمان التي تحظي بها البنوك، فلم نسمع يوماً عن سرقة أو اختلاس أو تزوير تم في تلك البنوك المنتشرة فروعها بإرجاء الجمهورية، كما أن المهارات والخبرات التي يكتسبها العاملون في قطاع البنوك تفوق بكثير مهارات وقدرات العاملين بقطاع البريد، وهذا لا يقلل من شأنهم بطبيعة الحال في ظل العمل بظروف صعبة ومكاتب ضيقة غير مؤمنة ودورة مستندية معقدة وبالية، وعدم اكتراث القيادات بتدريب وتنمية المهارات البشرية واختيار أفضل العناصر لإدارة تلك المكاتب كما تفعل البنوك.
.
ما أود أيضاحه أن سعي البريد المصري لتحقيق طفرات مستقبلية وتنموية تضاهي ما تحققه البنوك المصرية، وسعي العاملين به كذلك لتحسين ظروف العمل وتحسين وتنمية مواردهم، لن يتم إلا بانتهاج أساليب حديثة ومبتكرة كالتي تسير على نهجها البنوك بأقتفاء آثار التكنولوجيا الحديثة واختيار أفضل العناصر وتدريبها وتحسين ظروف وأماكن العمل، وكذلك باقتفاء آثار قيادات صالحة تعمل لتقدم العمل البريدي، لتكون نموذج وقدوة تنير لهم الطريق، وتفتح لهم آفاق المستقبل في عيشة كريمة ومستقبل زاهر، بعيداً عن مسلك علي بابا وأخيه والأربعين حرامي!!..
.
وللحديث بقية ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الأربعاء، 13 يناير 2010

البريد المصري بين وزيرين !!..

.
أكثر الناس تفائلاً لم يكن ليتوقع أن يأتي الدكتور/ أحمد نظيف رئيساً للوزراء بحكم منصبه السابق كوزير للاتصالات والمعلومات بوزارة الدكتور/ عاطف عبيد، فقد جري العرف خلال السنوات الخمسين السابقة على خلاف ذلك، ولم يكن أكثرهم تفائلاً كذلك أن يدوم استمراره رئيساً للوزارء خلال طوال تلك الفترة، والتي اعتادنا فيها أن تكون عمر الوزارة ثلاث سنوات أو أربعة على الأكثر، مع وجود بعض الاستثناءات بالطبع كوزارة الدكتور/ عاطف صدقي.

الحال كذلك بالنسبة للبريد المصري، فأكثر المتفائلين لم يكن ليتوقع أن يخرج من تحت لوائه وزيراً واحداً، فخرج لنا حتى الآن وزيرين، الأول الدكتور/ علي مصيلحي الذي أصبح وزيراً للتضامن الاجتماعي بعد أن ترأس مجلس إدارة البريد المصري في 11/10/2002 وحتى نهــاية ديسمبر 2005، والثاني المهندس/ عــلاء فهمي الذي أصـبح وزيــرا للنقــل في 3/1/2010 بعد أن ترأس مجلس إدارة البريد المصــري في 2/2/2006.

وبالتأكيد وبأنني أحد أبناء البريد المصري وأعمل فيه منذ قرابة الربع قرن، وعاصرت رؤساء مجالس إدارات عدة وتعاملت معهم بالطريق المباشر والغير مباشر، أشعر بشئ من الفخر والاعتزاز لوجود قيادات ارتقت بالعمل البريدي بدرجة أنها حققت انجازات لافتة لترتقي إلى كرسي احدي الوزارات بالدولة، والذي هو بمثابة حلم لكثير من أساتذة الجامعة ورجال السياسة وكبار قادة الجيش.

ماجعلني أشير لتلك المفارقة رسالة تسلمتها منذ عدة أيام من أحد الأصدقاء، يسألني مستفهماً، لماذا البريد الذي أنجب تلك القيادات؟!.. وهل البريد المصري أصبح مؤهلاً لاستنساخ العديد من القيادات التنفيذيين والوزراء في المستقبل أم أن الوزيرين المشار إليهما لهما من الشخصية والذكاء والحنكة السياسية والاجتماعية ماجعلهما يرتقيا بنفسيهما إلى مناصب تنفيذية أعلي؟!..

توقفت كثيراً قبل الإجابة لكي لا أخضع نفسي بالافتخار بالبريد المصري لمجرد أنني أنتمي إليه، فالبريد منذ عهد مديره الأول موتسي بك منذ انتقاله تحت مظلة الإدارة المصرية وحتى ترأس المهندس/ أحمد الصولي لمجلس إدارته قبل قدوم الدكتور علي مصيلحي في عام 2002 لم يحدث فيه أن ارتقي أحد رؤساء مجالس إدارته ليصبح وزيراً، بإستثناء سابا باشا الذي أصبح وزيراً للمالية عام 1910، فمعظم من ترأسه ممن ارتقي بهم السلم الوظيفي من داخل البريد، أو من كبار الإداريين التنفيذيين بالدولة، وجميعهم تقاعدوا فور وصولهم السن القانوني دون ضجيج أو زخم على خلاف ما حدث حين ترأس الدكتور/ علي مصيلحي أو المهندس/ علاء فهمي لمجلس إدارة البريد المصري والذي صاحبه تطوير وتحديث لبنيته الأساسية والفكرية، وأصبح في ظل المهندس/ علاء فهمي نموذج يحتذا به لباقي هيئات الدولة ومرافقها على حد ماأوضحه الدكتور/ عبد المنعم سعيد، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، بمقاله تحت عنوان ساعي البريد وتحولات اجتماعية مهمة‏!!..‏ بصحيفة الأهرام، العدد 44835 بتاريخ 7/9/2009 ...

إذن الاستقراء يؤيد أنه لكي تصبح وزيراً لا يكفي أن تترأس مجلس إدارة البريد المصري، رغم الأهمية والهالة الإعلامية التي ظهرت فجأة في إظهار أهمية البريد المصري كمرفق هام بالدولة، ومؤسسة ذات دور أساسي مالياً واجتماعياً، ولكن لكي تصبح وزيرا يجب أن تمتلك تلك القواسم المشتركة التي تمتع بها كلا الوزيرين، فالترقي والارتقاء لمنصب الوزارة لم يكن باعتقادي إلا نتيجة لأسباب ثلاثة هامة: أولها: أنهما يتمتعان بالمهارة الشخصية والإدارية والحنكة السياسية جعلهما عضوان بارزان بلجنة السياسات، التي يترأسها السيد/ جمال مبارك، والثاني: قربهما المميز من الدكتور/ أحمد نظيف، حيث خرجا من رحم وزارة الاتصالات والمعلومات، ومن الطبيعي أن الرجل يعرفهما ويعرف قدرتهما جيداً، والثالث: أنهما قادمان من المؤسسة العسكرية التي يتمتع أصحابها بالثقة والالتزام والقدرة على إنجاز العمل، هذه هي السمات والقواسم الثلاثة المؤهلة لكي تصبح وزيرا، ولا دخل للبريد المصري ولا فضل له في ذلك وأن ظل بوابة مناسبة بإمكانياته الواسعة وأمواله الطائلة وانتشاره المؤثر...

فالبريد المصري من الواضح أنه لا يوجد به قيادات إدارية بداخله، أو عباقره تشد قاطرته، فنهضته الحالية تحققت خلال السنوات السابقة على يد كل من الدكتور/ علي مصيلحي والمهندس/ علاء فهمي، وممن قدموا معهما من نواب ومستشارين وقيادات مالية وإدارية، ولا دخل للعاملين والموظفين لهذه النهضة، فالتحولات التي طرأت على السوق البريدي محلياً ودولياً خلال تلك السنوات، وإدارة أمواله الطائلة لم يكن باستطاعة موظفي هذا المرفق الهام إدارته ودفعه لمسايرة تلك التطورارت بعد فترة إنغلاق طويلة بدون معرفة لفنون الإدارة الحديثة والتطوير المميكن وتجاذبات السوق والشراكة الاستثمارية، والذين تسرب وطار حلمهم مع الوقت ليكونوا نواباً أو رؤساء قطاعات بتلك المؤسسة العريقة، ليصبح حلم أكثرهم تفائلاً بأن يكون مدير إدارة أو وكيل مكتب بريد...

والذي أخشي ما أخشاه أن يقوم المهندس/ علاء فهمي في سبيله لتطوير وزارة النقل ومرافقها التي يعرف مشاكلها الداني والقاصي أن يقوم بسحب العديد من مساعديه ومستشاريه ممن عملوا معه بالبريد المصري لتطوير وسائل النقل والسكة الحديد للعمل معه بوزارة النقل، فيفقد البريد المصري ميزته وتقدمه الذي لمسناه خلال السنوات السابقة، ولا نجد من يدفع تطوره وازدهاره !!..
.
وللحديث بقية ...

الاثنين، 23 نوفمبر 2009

صديقي البريدي !!..

.
صديقي البريدي، جزائري الجنسية، كل ما يربطني به رسائل إلكترونية واتصالات هاتفية، فهو يعيش خارج حدود وطنه، وأنا كذلك، لم نتقابل حتى يومنا هذا... صديقي الجزائري يعمل في الحقل البريدي منذ زمن مثلي، مهتم بقضايا البريد وتاريخه وبكل ما يحيط به من هموم ومشاكل، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالإدارات البريدية العربية وتطور عملها وتنمية مهارات العاملين فيها، وتقدمها التقني وتعاونها البناء.

هذه الصداقة - إن أجازها لي في التعبير- أجدها في كلماته الرقيقة عبر رسائله الإلكترونية واهتمامه بما أكتبه بتلك المدونة المتواضعة، والتي تعني بالبريد وتاريخه وقضاياه، أجدها في حديثه عبر الهاتف كلما سنحت له أو لي الفرصة للاتصال المباشر عبر الهاتف... صداقة جعلتني أتخيل ملامحه العربية، رسمات وجهه، بشاشته، مشاعره الصادقة من كلماته المهذبة وعباراته المتناسقة وحديثه الدافئ، وتشجيعه المتواصل باهتمامه باخباري وكتاباتي.

وسبب الحديث عن تلك الصداقة المصرية الجزائرية البريدية، هو ما وقع من أحداث خلال وعقب مباراتي كرة القدم التي جمعت مصر والجزائر في تصفيات كأس العالم 2010 والتي أقيمت يومي 14، 18/11/2009، وأنتهت بصعود الفريق الجزائري ليمثل العرب في تلك التصفيات، والمزمع إقامتها في جنوب إفريقيا العام القادم... هذه الأحداث التي نأسف لها ونتبرئ منها لها دلالاتها العميقة وما ندعيه من عروبة تجمعنا وإسلام يضمنا، إدعاءات يشحنها بعض الجهال والمنتفعين والمتأمرين، إدعاءات جعلتنا لانعرف حتى نتفق على ما بيننا من خلاف لترميمه... ولك أن تتخيل حجم الهوة السحيقة بين ما كنا عليه في الماضي وما نحن فيه الآن من خيبة أمل وضعف وشعوبية تمقتها وحدة الدين واللغة والمصير...

هذه الهوة التي جعلت من مصر تتخبط بين نعرات جوفاء كفراً بالعروبة والإسلام، وما جنته من كونها الشقيقة الكبري وما خاضته من حروب نيابة عن العرب والمسلمين في وجه الاستعمار والصهيونية... والتي جعلت من الجزائر بلد المليون ونصف مليون شهيد في حالة إخاء وتناغم مع المستعمر الفرنسي وكأن دماء هؤلاء الشهداء قد جف... سرعان ما تحولنا إلى مصر الفرعونية، والجزائر الفرانكوفونية، لاعبون مصريون أبناء الفراعنة، مقابل لاعبون جزائريون يتحدثون اللغة الفرنسية ولا يتكلمون اللغة العربية... عصبية وقبلية وشعوبية أودت بأمم فأصبحت حضارات مفقودة !!.

هذ الهوة جعلتني أحزن أكثر مما أنا فيه من حزن، على بلدينا من تخلف وتأخر وفقر يصيب كبد المصريين والجزائريين معاً... أحزن على الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، كما حزنت على الرئيس هواري بومدين، أحزن على الأستاذ الأمام محمد عبده كما حزنت على الأمام عبد الحميد باديس، أحزن على الشيخ محمد الغزالي، كما حزنت على الشيخ مالك بن نبي... هذا الحزن تضاعف عندما أردت إلقاء نظرة على موقع مؤسسة البريد الجزائري http://www.poste.dz/ والذي وجدته باللغة الفرنسية فقط، شأنه في ذلك شأن البريد المغربي http://www.bam.net.ma/ والبريد التونسي http://www.poste.tn/ ، وكأن تلك الإدارات تتنصل من كل ما هو عربي أو يتصل بالعروبة...

رحم الله هؤلاء الزعماء والعلماء، ورحم الله العروبة والإسلام، ونسأل الله أن نظل أنا وصديقي البريدي أصدقاء ما حيينا حتى وإن لم نلتقي !!..

وللحديث بقية إن شاء الله ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

خيل وبغال وحمير البريد !!..


من الحقـائق التاريخـية الهامة التي لا يمكن إغفـالها أنه كما أن البريد استفاد من تطـور وسائل النقل على مر العصـور، فأن وسائل النقل تلك ما كانت أن تتطور بهذا الشكل لولا الحاجة الملحة للبريد، فبمجرد ظهور وسيلة جديدة من وسائل النقل لا يكتفي البريد باستخدمها والاهتمام بها، إنما يساهم في تحسينها وتطورها.

فكلمة بريد كما ذكر المقريزي في كتابه الخطط أصلها فارسي من بريد ذنب، لأن الملك دارا هو أول من ابتكر نظاما للبريد، واقام له دواباً محذوف الأذناب والذيول لتميزها عن غيرها من الدواب الآخري، ثم عربت وحذف العرب نصفها الأخير واقتصرت على كلمة بريد... هذه الدواب اختلفت باختلاف العصور والاستخدامات، وارتبطت بالبريد لكونه وسيلة هامة للاتصالات عبر تلك العصور، كما أن تلك الدواب التي نشير إليها خصها الله في قوله تعالي في سورة النحل "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ".

فــأول هـذه الـدواب الخيـــل، وسمـيت خـيــــلا لاخـتــيــالها في المشــية، ولأنـهـا مـوســومـة بالعـــز، فمـن ركبــها اختــال بهــا على أعـــدائه، والفـرس قبــــل خمســمائة ســنة من الميــلاد، هـم أول من استـخـــدمها لتبلـــيـغ الأخبــار والأنبــاء، فكــان قيـروس الأكـــبر (558–528) قبل الميلاد أراد أن يكون على اتصال دائم بحكام أقاليم مملكته، فحسب بنفسه المسافات التي يستطيع أي فارس أن يقطعها في يوم واحد، وأمر بإنشاء مرابط للخيل يبعد الواحد منها عن الآخر مسافة يوم سفر، وعندما يصل الرسول إلى محطة ما حاملا معه رسالة عاجلة يخلفه زميل له مجهز بمطية جديدة... وفي اليونان القديمة استخدم الرومان الحصان والعربة بصفة منتظمة لنقل البريد، فكان البريد الرسمي المسمي "البريد الإمبراطوري" يستخدم مركبات ضخمة الحجم بأربعة عجلات ويجرها مجموعة من الخيول والبغال، وكانت تتوفر للبريد الروماني في عمليات النقل السريع عربات ذات عجلتين تسمي "سيزيا "تقطع نحو 80 كيلومتر في عشر ساعات، وكان بعض رسل البريد يتكلفون في نفس الوقت بنقل عدد كبير من الرسائل بعمليات تبادل أثناء الطريق ويحملون ردود تلك الرسائل أثناء عودتهم.

أما العرب، فيذكر ابن الكلبي في كتابه أنساب الخيل أن إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام أول من ركب الخيل من العرب، فكان اهتمامهم بالخيل عظيماً، وقد شرفها الله بأن اقسم بها في قوله تعالي "والعاديات ضبحا"، كما خصها الرسول صلي الله عليه وسلم بأن في نواصيها الخير لما كانت أصل الحروب وأوزارها وبها يجال في ميادين القتال، وجعل الله تربيتها ورباطها أمر من قوة المسلمين ومنعتهم في قوله تعالي "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ" ... والأحاديث الواردة في فضل رباط الخيل وتربيتها كثيرة، إلا أن المعلوم أن العرب استخدموا الإبل والبغال بصورة أكثر إيضاحاً في نقل بريدهم، فيذكر الأستاذ يوسف أحمد الشبرواي في كتابه القيم "الاتصالات والمواصلات في الحضارة الإسلامية" أنه عندما نظم الملك عبد الملك بن مروان الدواوين وعربها أدخل نظام البريد لربط العاصمة بالولايات والأمصار بالاعتماد على الجمال والخيل والبغال لنقل الرسائل السريعة إلى الأمصار والقادة معتمداً على محطات تستقبل الرسل وتستبدل بالجمال والخيول التعبة بأخري مرتاحة لمواصلة السير السريع دون توقف، وافرد جزء هاما من كتابه عن الجمل وصفاته وملائمته للبيئة العربية لكونه أرخص وسيلة للنقل وأكثرها تحملاً لصعوبة الصحاري والطرق الوعرة.

أما البغل فهو حيوان أليف هجين ينتج عن تزواج أنثي الخيل مع ذكر الحمار، أما الحيوان الذي ينتج عن ذكر الخيل وأنثي الحمار فيسمي النغل... والبغل حيوان معمر، قليل التعرض للأمراض، ويضرب به المثل في العقم، وكذلك لمن يفتخر بشئ لغيره، فمن الأمثال الشائعة أنه قيل للبغل من أبوك؟ قال الفرس خالي!!... والبغل يمتاز ببصره الحاد وقوته العضلية، وقدرته على تحمل حرارة الطقس، لذا يقوم بأعمال شاقة يعجز عنها الحصان، فكان يستخدم لمساعدة الجيوش في نقل المؤن والمعدات الثقيلة في المناطق الجبلية ذات الطرق الوعرة، كما أنها ذكية على الرغم من طبعها العنيد في بعض الأحيان بسبب سوء القسوة في معاملتها، فمن المؤكد أنها أذكي من الخيل، فلو أن أنثي الخيل تمتعت بما يكفي من الذكاء والعقل لما سمحت لحمار بمواقعتها... ويذكر أن الجاحظ خصص باباً في كتابه البغال تحت عنوان "باب ذكر الإنتفاع بالبغال في البريد"، وذلك بعد ما أبدع في صفاته الجسمانية والعقلية، وأورد قصصاً ونوادر وأبيات من الشعر تدل على استخدام العرب للبغال في نقل البريد.

أما الحمار فهو حيوان مستأنس من الجنس الذي يتنمي إليه الحصان، العائلة الخيلية، ويشبه شكله العام شكل الحصان، ولكن يبدو أنه حظه عاثر دائما، فالحمار رغم ما يشاع عنه بغباءه وعناده، فأنه بالتجارب العملية أثبت أنه ذكياً، حذراً، حميمياً، متعلماً، متحمساً، يصعب إرغامه أو تهديده على فعل شئ ضد رغبته، يحفظ الطريق الذي يسير فيه ولديه قدرة عالية على التحمل، وقد أستعمل الحمار من الآلف السنين في الحروب لنقل المعدات والذخائر...

وللحمار نوادر وقصص وحكايات يصعب حصرها، فمن حمار جحا الأكثر شهرة لنوادره الساخرة، لحمار الحكيم، لحمار الكاتب الساخر محمود السعدني... والحمار قد يكون أسعد حظاً باهتمام العرب بحكاياته ونوادره... كما أنه ذكر في القرآن في عدة مواضع للتشبيه، فشبه صوته بأنكر الأصوات في سورة لقمان، كما وصف اليهود الذين يعلمون ولا يعملون بالحمار الذي يحمل أسفارا تبكيتاً لهم وتحقيراً في سورة الجمعة، كما ضرب الله به المثل على الحياة والموت في قصة النبي عزير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، في سورة البقرة، وكذا نجد في الرسومات المسيحية غالباً ما صور السيد المسيح وهو يركب حماراً... أما حمار البريد، فيبدو أنه كان أكثر حظاً، فقد أستخدم بصورة واسعة في نقل البريد في القري والنجوع، حتى أنه حكي لي ذات مرة أنه كان يصرف له بدل تغذية (عليق)!!.. فقد استطاع بذكائه وفطنته أن يحصل على حقوقه كاملة قبل القيام بإداء عمله !!..

هكذا نجد أن الخيل والبغال والحمير، والتي ذكرها الله في كتابه العزيز، كانت من أهم وسائل نقل البريد عبر العصور القديمة حيث سيرها الله للركوب والنقل والزينة، واليوم حلت محلها الطائرات والقطارات والسيارات بكل ما فيها من قسوة وقوة وسرعة، ولكن تلك السرعة والقوة لم تمنع الإنسان في يوم قط من استخدام وسائل النقل الأولية، التي مازالت رغم بطئها أكثر أمناً وأكثر حفاظاً على البيئة...

وللحديث بقية أن شاء الله ..

Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الأحد، 8 نوفمبر 2009

إضراب البريد البريطاني !!..


البريد الملكي البريطاني من أعرق المؤسسات البريدية على المستوي الدولي، وله السبق في العديد من الابتكارات البريدية وتطوير وتحديث الأعمال البريدية... فمنذ أن أنشئ بأمر من الملك هنري الثامن في عام 1516م لتسليم رسائل البلاط الملكي إلى مختلف أجهزة الدولة، ثم تعميمه ليصير متاحاً للجمهور في عام 1635م، إلى أن تم استعمال أول طابع بريد تم طباعته في انجلترا والمسمي بيني بلاك عام 1840م لتحصيل الأجرة من المرسل منه... هذه العراقة والتاريخ الطويل إضاعته حكومة العمال الحالية برئاسة جوردون بروان وحكومة سلفه توني بلير.

فالبريد الملكي البريطاني الذي يعمل فيه نحو 141 ألف عامل، يستخدمون نحو 30 ألف شاحنة و33 ألف دراجة، يقومون بتوزيع أكثر من 75 مليون رسالة وطرد يومياً على أكثر من 28 مليون عنوان في شتي أنحاء المملكة المتحدة، مروراً عبر 113 ألف صندوق بريد و14300 مكتب بريد و70 مركز حركة و8 مراكز توزيع إقليمية و3 الآف مكتب تسليم... هذا الحجم الهائل من الأعمال يدر على الخزانة البريطانية أكثر من 14 مليار دولار سنوياً رغم ما تعانيه قطاعات البريد عموماً من تطور قطاع الاتصالات وانتشار استخدام الانترنت والبريد الإلكتروني في السنوات الأخيرة.

فمنذ عشر أعوام تقريباً والبريد الملكي البريطاني يحقق خسائر فادحة، تلك الخسائر بلغت ذروتها عام 2001 بنحو 1ر1 مليار جنية استرليني، وعلى أثرها تم إلغاء نحو 17 ألف وظيفة، حسب ما أوردته صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 14/6/2002، هذه الخسائر تعود بالأساس للسماح للعديد من الشركات الخاصة في دخول سوق البريد البريطاني بطريقة متدرجة حتى أصبحت تلك الشركات تعمل بصورة قانونية اعتباراً من أول يناير 2006م، وبذلك فقد البريد الملكي البريطاني حقه الاحتكاري الذي تمتع به على مدي 250 عاماً، وأصبح سوق البريد مفتوح للجميع... كما أن إنصراف البريد الملكي البريطاني عن أعماله الأساسية المكلف بها وفقاً للقانون بتقديم الخدمات البريدية للمواطنين، بالدخول في أعمال أخري كاليانصيب والمضاربات وغيرها، بالإضافة إلى سياسة إدارته الليبرالية الممزوجة بأفكار الخصخصة، والتي تدعو عموماً إلى تقليص دور الدولة برفع قبضتها عن كافة ما تقدمه من خدمات للمواطنين، والتفرغ لوضع السياسات والاستراتيجيات العامة أدي كل هذا لمزيد من الخسائر، وصولاً بتلك المشكلات المعقدة بينها وبين العاملين بها.

وهذا الإضراب الأخير والذي يعد ثاني أكبر إضراب، لم يكن الإضراب الأول الذي ينظمه عمال البريد الملكي، حيث سبق لهم القيام بالعديد من الإضرابات منذ عام 2003 بسبب إصرار حكومة حزب المحافظين في السابق على تخصيص جزء من البريد الحكومي وبيعه تدريجياً بحجة تحقيقه لخسائر مالية بسبب المنافسة الشديدة الذي يواجها من الشركات الخاصة، والتي تقدم الخدمة بصورة أفضل، إلا أن الغريب في الأمر أن يقوم حزب العمال بقيادة توني بلير ومن بعده جوردون بروان بإعادة المحاولة وتكرارها رغم أنه يفترض أنها حكومة عمالية تعمل لصالح العمال!!..

والسبب الرئيسي لهذا الإضراب الأخير ما أعلنه رئيس الوزراء البريطاني جوردون بروان بتاريخ 13/10/2009 عن عزمه طرح للبيع أصول حكومية بقيمة 16 مليار جنية استرليني (4ر25 مليار دولار) بما فيها خط القطارات الواصل بين بريطانيا وفرنسا، ونحو30% من البريد الملكي البريطاني، وذلك بهدف خفض الديون الناجمة عن الأزمة الاقتصادية الحالية، مما أثار مخاوف العاملين بالقطاع البريدي بمزيــد من الاستغــناء عن الوظائف، خاصة إذا ما عرف أن المشتري قد يكون شركة T.N.T أو DHL ، حيث بــدأ الإضــراب لمــدة يومــين في جميــع انحــاء البــلاد اعتبــاراً من يوم 22/10/2009 وذلك طبقاً لما نقلته وكالة رويترز بقيام نحو 42 ألف عامل وسائق في مراكز البريد بالإضراب، وسيتبعهم 78 ألفا من العاملين في جمع وتسليم البريد في خطوة من المتوقع أن تتسبب في تعطيل حاد لعمليات تسليم البريد، وعلق ديف وورد نائب الأمين العام للنقابة لتلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية بي.بي.سي بقوله: «إنهم لا يطورون الخدمة.. إنهم يخططون لخفض أعداد كبيرة من الوظائف.. ما نريده هو فرصة لتسوية الأمر.. لا نريد إلحاق الأضرار بعملائنا.. ليس لدينا بديل».

عمال البريد في بريطانيا يدافعون عن حقهم في تحسين أجورهم والحفاظ على مزايا التأمين بعد التقاعد، يدافعون عن حيـاة كريمة آمنة تحميهم من أخطار إلغاء الوظائف وإحالتهم للتقاعد، يأملون أن تتاح لهم الفرصة لمنافسة تلك الشركات الأجنبية الخاصة بمزيد من التدريب والتطوير والعمل الجاد، بعكس ما تفعله الإدارة الحالية في السعي لتوظيف نحو 30 ألف عامل موسمي لمواجهة الإضراب، عمال البريد في بريطانيا يتسألون هل التطوير والتحديث يعني الاستغناء عن خدماتهم ؟!.. يعني خفض أجورهم ومخصصات التأمين بعد التقاعد ؟!.. هل التطوير يعني توجيه أعمال مؤسساتهم إلى مهام غير مهام الخدمات البريدية والسماح للشركات الأجنبية بالإستيلاء على السوق البريدي في بلادهم ؟!..

ما يثــير الانـتــباه وأعجـبـني بشــدة وجعـلني أحـيي بعــض نــواب حــزب العمــال ما ذكــرته صحــيفة انــدبنـدانت أون صنـدي بتـاريـخ 25/10/2009 أن نحو 120 نائب من حزب العمال البريطاني يقفون ضد مشروع خصخصة جزء من البريد الملكي البريطاني، وسوف يصوتون بحجب الثقة عن زعيم حزبهم جوردون بروان مع نواب حزب المحافظين إذا ما تم مناقشة الموضوع بالبرلمان... ويذكر أن أحدث استطلاعات للرأي أظهرت أن حكومة حزب العمال انخفضت شعبيته إلى أدني مستوي لها منذ بدء تسجيل تلك الإستطلاعات، حيث وصلت إلى 23% وهو أسوأ معـدل له منـذ بـدء الإستـطلاعـات الرسـمية في عـام 1943... فهل سيـكون إضـراب عمال البريد الملكي البريطـاني القشة التي تقصـم ظهـر البعـير ؟!..

وللحديث بقية أن شاء الله ...

Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الأحد، 4 أكتوبر 2009

ابن الارندلي البريدي !!..


في كل عام من شهر رمضان المبارك يتجلي علينا الفنان المبدع يحيي الفخراني بفكرة جديدة، وحكاية شيقة بثوب كوميدي وبواقعية إنسانية تظل محل جدل ونقاش سواء بين المثقفين أو العوام من الناس... فالعام الماضي قدم شرف فتح الباب باخلاقياته المثالية وبأبوته الحانية والتي اضطرته الظروف القاسية وضغوط خصخصة شركات القطاع العام وبيعها أن يستحل المال العام عن جهل بالقوانين وبالتفسيرات والتأويلات الخاطئة لمعالم الدين وتشريعاته... واستلهمتني القصة بمقارنتها بواقعة حقيقية حدثت بالبريد المصري عام 1994 فكتبت شرف فتح الباب البريدي بتلك المدونة المتواضعة خلال شهر سبتمبر من العام الماضي .
.
أما هذا العام، فالقصة مختلفة والفكرة واقعية وتحدث بكثرة حتى نستطيع أن نجزم أننا في زمن أولاد الارندلي وليس ابن الارندلي... ويقال أن لفظ الارندلي يطلق على الشخص المحير الفهلوي الحلنجي، ذا القدرة على إقناع الآخرين بما يريد، وقيل أنها كلمة مصدرها جماعة من الناس أطلق عليهم القرندلية وهم فاقدوا المروءة، كما جاء في كتاب المروءة وخوارمها للشيخ أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سليمان، ص 248، وهناك من يشير بأن لها أصل تاريخي من فرقة صوفية تسمي الارندلية كانت تخفي باطنها عن ظاهرها... والتفسير الأول أوفي لما قدمه الفنان يحيي الفخراني ببراعة، فهو يجسد شخصية المحامي، رجل القانون الذي يعرف مداخله ومخارجه، نصوصه وتأويلاته، مخابئه ودهاليزه، ومن خلال فاكهة طريفة لاسترجاع ما يعتقد أنه حقه الشرعي من أرث عمه مستغلا معرفته بالقانون وحيلته وذكائه بغية تحقيق مراده.

فابن الارندلي قد يكون محامياً كما جاء بالمسلسل وقد يكون طبيباً أو مهندساً أو محاسباً، فهو رجل يمارس حياته العملية بمعرفة القانون ولوائحه، وما ينفك أن يطوع هذا القانون وتأويلاته لرغباته ومساعيه المشروعة والغير مشروعة... هذه الحالة كثرت في هذا الزمان، فنحن عباقرة في سن القوانين واللوائح، وأيضاً عباقرة في الالتفاف حول نصوصها وخرق كل ما هو قانوني... ومع فارق الشبه بين ما أرويه عن ابن الارندلي البريدي وبين ابن الارندلي بالمسلسل الفكاهي، إلا أنني أجد تشابهاً عميقاً في شخصية كل منهما، في هواية ممارسة الالتفاف حول القانون ونصوصه وتأويله وتفسيره بما يخدم الأهواء، دون النظر للمثل والقيم والأخلاق، ودون مراعاة لحقوق الغير أو المال العام.

ففي خلال النصف الثاني من التسعينات، وللظروف الاقتصادية العامة وتخفيضاً للانفاق الحكومي فقد أصدر السيد رئيس الوزراء المصري قراراً بمنع شراء أجهزة التكييف والاثاثات بالجهات الحكومية بكافة أنواعها وأشكالها إلا بعد أخذ موافقته، حيث تلاحظ ارتفاع بند الإنفاق على شراء تلك الاثاثات وأجهزة التكييف بكافة الوزارات والوحدات الاقتصادية التابعة للدولة... وهنا يطل علينا ابن الارندلي البريدي، بمعرفته التامة بالنظام المحاسبي الموحد وبالمحاسبة المالية الحكومية، وأبوابها وبنودها المختلفة، ودهاليز وخبايا نصوصها، ومناقلات بنود ميزانياتها، بفكرتين عبقريتين للالتفاف على قرار السيد رئيس الوزراء، الفكرة الأولي: كان الغرض منها شراء بعض أجهزة التكييف لعدد من موظفي الإدارة العليا، وذلك بشراء عدد من أجهزة الحاسب الآلي وبوضعها بمكاتب كل منهم، ومنطقياً لابد من تجهيز تلك المكاتب بالاثاث وبالتبريد الملائم حتى لا تصاب أجهزة الحاسب الآلي بخلل أو أي أعطال، رغم عدم تشغليها على الإطلاق في تلك الفترة، وكما علمنا الارندلي الأعظم الممثل نجيب الريحاني بمقولته الشهيرة: شئ لزوم الشئ... ولأننا في زمن التطوير والتحديث والحكومة الإلكترونية، فلا مجال للمناقشة أمام شراء أجهزة الحاسب الآلي، وبذلك تحقق الغرض المنشود بانقاذ موظفي الإدارة العليا من حر ولهيب حرارة الصيف والرطوبة الموحشة دون مخالفة قرار السيد رئيس الوزراء، وأن تضاعف الانفاق بشراء أجهزة حاسب آلي وأجهزة التكييف اللازمة لتبريده !!.. والفكرة الثانية: كان الغرض منها إنشاء ورشة للنجارة والحدادة تسمح بتصنيع مكاتب ومقاعد وغيرها من أثاثات، فشراء الخشب الخام وأدوات النجارة والحدادة وباقي مستلزمات التصنيع لا تندرج تحت بند الاثاثات بالميزانية والتي منعها قرار رئيس الوزراء، وعليه قامت تلك الورش بتقطيع الأخشاب وتصنيعها، ولكن كان على ما يبدو أن التصنيع كان بدائياً ولا يرتقي لأي معيار من معاير الجودة، وبتكاليف فاقت أسعار شراءها من مصانعها المتخصصة !!..

فابن الارندلي البريدي كله مهارة وشطارة وفهلوة وذكاء، يلعب بالبيضة والحجر، أقصد بالقانون ولوائحه، فهو يدرك نصوصه ويدرك كيفية التعامل معها والالتفاف عليها وتحقيق رغباته ومصالحه ورضاء رؤسائه، بخلاف شرف فتح الباب البريدي الذي تم إيداعه السجن لقيامه بالسرقة والتزوير، فلم يكن الأخير يملك المهارة ولا الشطارة ولا الذكاء بالقدر الذي أوقعه في شر أعماله، وكله على حساب المال العام !!..
.
وللحديث بقية ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com