السبت، 12 يونيو 2010

هيكلة البريد المصري!!..


يحظي الفكر الإداري المعاصر بكم هائل ومتزايد من الأبحاث والدراسات التي تنادي بإعادة الهيكلة للأجهزة والمؤسسات الحكومية، وتحرير القطاع الحكومي من القيود التي تحد من حركته وفعاليته، استناداً إلى فرضية هامة بأن الإدارة هي في المقام الأول أداة للتغيير، بهدف التحول والانتقال من وضع سائد ضعيف وغير فعال إلى وضع ذا قدرة على التأثير في الوضع المحيط، فاعادة الهيكلة ليست هدفا في حد ذاتها ولكنها وسيلة تسهم في تحقيق الأهداف المرجوه، والأساس التي يجب أن تتخذه إعادة الهيكلة منطلقا هو استكشاف إمكانيات وطاقات القطاع الحكومي لتوظيفه في تحقيق لتلك الأهداف المتقدمة بما هو متاح من قدرات وما يحتمل لها من توافر من إمكانيات.

والبريد المصري كقطاع حكومي أصيب منذ زمن بالجمود والتحجر، ولم ينظر إليه بعين الاهتمام إلا بعد أن حقق فائضاً مالياً بميزانيته خلال السنوات المالية 1999/2000 و2000/2001، وكأنه لم يكن في حاجة لإعادة هيكلة وهو في وضع الاقتراض من وزارة المالية لاستكمال خططه وبنيته التحتية ودفع رواتب موظفيه... فإعادة الهكيلة للبريد المصري ظهرت مع ظهور الفكر الجديد عام 2002، جاءت بخطوات متدرجة منذ تسلم رئاسة مجلس إدارة البريد المصري الدكتور/علي مصيلحي عام 2002، وقدوم معه كوكبه من المستشارين الماليين والإداريين، الذين قاموا بالدراسة والبحث والتنقيب، وباعتلاء عشرات الوظائف القيادية بالهيئة من مديرين ومديرين عموم، دون الالتزام بقواعد التعيين أو التعاقد طبقاً للقانون 47 لسنة 1978 أو القانون 5 لسنة 1991، ثم بدءت الهيكلة الفعلية في سبتمبر عام 2005 بتعيين ثلاث نواب جدد لرئيس الهيئة على النحو التالي: نائب للسياسات والتعاون الدولي، ونائب للخدمات البريدية، ونائب للتشغيل، بالإضافة لوظيفة رئيس قطاعات المناطق البريدية.

بانتهاء عام 2005 وتولي المهندس/ علاء فهمي مهام رئاسة مجلس إدارة الهيئة في فبراير عام 2006، والذي استتبع بالتالي رحيل العديد من المستشارين الذين تم التعاقد معهم للاتحاق بالعمل بوزارة التضامن مع الدكتور/ علي مصيلحي، وقدوم كوكبة أخري من المستشارين والقيادات العليا من خارج السلم الوظيفي للهيئة أيضاً، ودون مراعاة لقواعد التعيين أو التعاقد طبقا للقوانين المشار إليها، كان لابد من استحداث وظائف جديدة والنظر في إعادة الهيكلة لكي تتوافق مع الفكر الجديد، فتم التوسع في عدد نواب رئيس مجلس الإدارة ليصبحوا سبعة نواب كالتالي: نائب للحركة والتوزيع، نائب للتخطيط الاستراتيجي، نائب للشئون الاقتصادية، نائب للعلاقات الخارجية، نائب لتطوير الخدمات، نائب للمناطق البريدية، نائب للتكنولوجيا والمعلومات، بالإضافة لوظيفية رئيس قطاعات الأمانة العامة ... ومن ثم دعت الضرورة لاستكمال البنية التحتية للهيكلة بإصـدار المرحـلة الثانية منها في إبريل عـام 2007 بإنشاء العـديد من الوظـائف القيـادية العليا بالهيئة طبقـاً لخطة تطـوير الهيكل التنظيمي والذي تم أعـداده بالتعـاون مع البنـك الدولي (حسب ما ورد بالموقع الإلكتروني بالهيئة بتاريخ 17/4/2007).

عشرات الوظائف تم إنشاؤها بمسميات جديدة، وظائف لا نظير لها في كافة الهيئات الحكومية، على سبيل المثال لا الحصر: رئيس قطاع العلاقات العامة الاستراتيجية، رئيس قطاع الإدارة العليا، رئيس قطاع البنية التكنولوجيا، وبترفيع بعض الإدارات لتصبح قطاعات، فإدارة الشئون الإدارية أصبحت قطاع الشئون الإدارية، وإدارة الاتفاقيات الدولية أصبحت قطاع العلاقات والاتفاقيات الدولية، وإدارة التدريب أصبحت قطاع التدريب وغيرها... بينما تم ترفيع بعض الإدارات العامة لقطاعات كالإدارة العامة للتنظيم أصبحت قطاع التنظيم، والإدارة العامة للتخطيط أصبحت قطاع التخطيط، والإدارة العامة للخدمات المركزية أصبحت قطاع الخدمات المركزية وهكذا ... كما تم إنشاء وظائف مدير عام جديدة كمديرعام الخدمات الجماهيرية، ومدير عام القرارات والتعليمات، ومدير عام الهياكل التنظيمية، وهكذا ... ناهيك عن عشرات الوظائف القيادية الخاصة بالمناطق البريدية، من رؤساء قطاعات ومديرين عموم ومساعدين لهم، وجميعها تمت عن طريق الندب للوظائف ودون الالتزام بقواعد وقوانين شغل تلك الوظائف أو النظر في المدة البينية لشاغلها، ومنها من تم ندبه من داخل الهيئة، فأضحي رئيس القسم مديراً عاماً، ومدير الإدارة رئيس قطاع... ومنها من تم استقدامه بالتعاقد الشخصي دون الإفصاح عن التكييف القانوني ومدي الحاجة لخبرات من قدم لشغل تلك الوظائف القيادية، ولاستكمال إعادة الهيكلة إنشئت كذلك عشرات الوظائف الأقل كمديرين إدارات ورؤساء أقسام، لدرجة أن بعض مديرين الإدارات تم ندبه بعد حصوله على الدرجة الثانية مباشرة!!..وآخر يعمل مديراً بمفرده دونما إدارة!!..وثالث تم ندبه مديراً وهو لا يحمل شهادة جامعية، ومرتكز على درجة كتابية!!..

ما أود أيضاحه ولست معترضاً على فكرة إعادة الهيكلة، والتي أعتقد أنها خرجت عن نطاقها الصحيح بإنشاء وظائف جديدة ليس من أجل تحقيق المغزي الأساسي منها كما أوضحت سلفاً، وإنما أصبحت تلك الوظائف والتي تم إنشائها لأغراض شخصية ولأشخاص معينة سواء من العاملين بالهيئة أو ممن قدموا بالتعاقد من خارجها، والأمثلة كثيرة ولانحتاج إلى إثبات أو دليل، فوظيفة رئيس قطاع الخدمات المركزية التي تم إنشائها لشخص ما تم إلغائها بعد وصوله سن التقاعد والتعاقد معه لمدة عام إضافي كمستشار لرئيس الهيئة، إعيدت مرة أخري كإدارة عامة للخدمات المركزية، كما أن وظيفة نائب رئيس الهيئة للتخطيط الاستراتيجي تم إلغائها بانتقال شاغلها للعمل كمستشار بالجامعة العربية... أضف إلى ذلك رحيل بعض النواب كنائب تطوير الخدمات ونائب تكنولوجيا المعلومات للعمل كمستشاريين بوزارة النقل ولم يحل محلهما آخرين..

فالبريد المصري أصبح باعتقادي حقل تجارب بتلك التعينيات والتعاقدات مع خبراء ومستشارين وقيادات عليا تقوم بالإشراف والتوجيه لعشرات العاملين، وتقود دفه العمل بهذه الهيئة العملاقة بمواردها المالية وبالقوي البشرية الضخمة التي تحتويها، دون إدراك البوصلة التي تسيرعليها. فإعادة الهيكلة أصبحت شعاراً جعلت الطاعة والولاء والانحناء الأساس في عملية الاختيار والتعيين للقيادات الأقل بعيداً عن قواعد التعيين والندب للوظائف العليا والمتوسطة، فالاختيار أصبح الوسيلة الوحيدة لشغل تلك الوظائف، وكل ما يقال عن الإعلان عن الوظائف والمسابقات وغيرها أصبح ديكوراً واستكمالا للشكل القانوني وليس لاختيار الأصلح لإدارة دفة العمل، بل رفعاً للشعارات الجوفاء وإسكات المعارضين وأصحاب الحقوق لهذه الوظائف...

وللحديث بقية ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الاثنين، 31 مايو 2010

البريد والمرسيدس !!..


هـذا العنوان مقتبس فقط من الفيلم الشبابي الضـاحك "البنات والمرسيدس"... والحق أنني لا أعرف عن هذا الفيلم إلا ماذكرته، ولكني أعرف عن البريد المصري والمرسيدس ما أذكره!!..

فقصة رشوة شركة مرسيدس بنز لأحد المسئولين الحكوميين في مصر مقابل تسهيله عقد صفقات مع الحكومة أصبحت مثار جدل ونقاش واسع بالصحف، خاصة صحيفة الوفد والدستور واليوم السابع، وهذا الحديث ليس كلاماً مرسلاً، وإنما سجل بمستندات محكمة أمريكية عندما حكمت بتعويض قدره 185 مليون دولار على شركة ديلمر بنز الأمريكية لدفعها رشاوي لمسئولين في 22 دولة منها مصر. صحيفة الوفد فجرت القضية، وطالبت بسرعة تقديم هذا المسئول للمحاكمة، وسارعت بعض الشخصيات العامة بتقديم بلاغات للمستشار عبد المجيد محمود النائب العام المصري لإجراء التحقيقات اللازمة تجاه تلك القضية التي يبدو كما ذكرت تلك الصحف أن صاحبها من المسئولين الكبار بالدولة.
.
هذة القضية وأن كانت تعنيني أولاً كمواطن مصري حريص على المال العام، وحريص أيضاُ بأن لا يكون بيننا فاسداً، إلا أن الأهم الذي أصابني بكثير من الدهشة ما نشرته صحيفة اليوم السابع بتاريخ 27/2/2009 بشأن تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات والذي يشير إلى قيام الهيئة القومية للبريد إلى قيامها بتأجير 8 سيارات ماركة تويوتا، و23 سيارة مـاركة مرسـيدس، ثم أعـادت النشـر بطـريقة أخـري، ونقـلا عن تقـرير الجهـاز المركــزي للمحاسبـات أيضـاً بتاريخ 2/4/2010 بأن الهيئة لم تلتزم بقرار السيد رئيس الوزراء بترشيد الإنفاق الحكومي حيث قامت بتأجير 23 سيارة ملاكي بمبلغ 725 ألف جنية وسيارة ماركة مرسيدس بمبلغ 4 مليون و237 ألف جنية.
.

وبعيداً عن صحة أو عدم صحة تلك الأرقام وما ورد بالصحيفة من تقارير منقولة عن الجهاز المركزي للمحاسبات، فأنه وكما هو معروف أن عمليات الصرف من موازنة الهيئات الاقتصادية تتم بإجراءات رقابية متعددة، تبدأ برقابة وزارة المالية على بنود الصرف، وذلك قبل عملية الصرف طبقا لقانون المحاسبة الحكومية رقم 127 لسنة 1981، ثم تتم الرقابة اللاحقة والتدقيق للجهاز المركزي للمحاسبات بشأن المخالفات الواردة إذا ما وقع خطأ ما في عملية الصرف أو إجراءته طبقا للقانون رقم 144 لسنة 1988، وهناك أيضاً جهات رقابية عديدة تستطيع متابعة عمليات الصرف كجهاز الرقابة الإدارية وجهاز الكسب الغير المشروع، فأن حجم تلك المبالغ الضخمة تدعو لمزيد من الاستغراب والدهشة في كيفية صرفها، خاصة وأن هيئة البريد المصرية تعاني من قلة مواردها ومشاكل إدارية وهيكلية عديدة.
.
تساؤلات كثيرة حول هذا الإنفاق الغير مبرر، وقد يكون تأجير سيارات المرسيدس تلك له علاقة بقضية رشوة المرسيدس المثارة، وقد لا تكون لها علاقة، ولكن الأهم أن طلب المستشار عبد المجيد محمود النائب العام الاستفسار وجمع كافة المعلومات المتوفرة لدي الجهـات الحكــومية حــول التعــاقدات التي أبرمتها الحكــومة مع شركة مرسيدس بنز العـالمية لشــراء سيارات منها بهــدف الكشف عن المسـئول الحكــومي الذي تلــقي رشــاوي من الشركة لتسهيل الصــفقات، كـما نشرته صحــيفة المصـري اليـوم بتــاريخ 14/5/2010 قد يكشف مزيدا من أبعاد الموضوع ...
.
الدهشة والاستغراب الذي لاح لي في الموضوع أيضاً أن كافة البلدان الأوروبية الغنية كإيطاليا وإنجلترا وأسبانيا والبرتغال تتجه لمزيد من إجراءات التقشف وتقليل الإنفاق الحكومي بسبب الأزمة المالية العالمية، ونحن في مصر نتجه لمزيد من الترف الاستهلاكي والرفـاهية رغم ما نعانيه من أزمة اقتصادية طـاحنة... هذه الدهشة تملكتني حين رأيـت بالفعـل عـدد من تلـك السـيارات ماركـة تويــوتا يركبـها بعـض كبـار المسـئولين بالهيـئة منـذ أكثـر من عــام تقريبـاً (اللهم لا حسد)، ولكني لم يصادفني الحظ لأشاهد بعيني هذا المسئول الكبير الذي تبطر سيادته على السيارات اليابانية، ولم يري لنفسه بديلا إلا أن يركب سيارة ماركة مرسيدس!! طبعاً وكله على حساب صاحب المخل!!..
.
وللحديث بقية ..
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الخميس، 13 مايو 2010

فلسفة البريد !!..

.
فلسفة البريد تقوم على محورين أساسيين: محـور الحــق ومحـور العــدالة...

فحق التراسل للإنسان كفلته كافة المواثيق والمعاهدات الدولية، والقوانين الطبيعية التي تحض على التواصل الحضاري لبني البشر... فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمادته الثانية عشر أقر بحق الإنسان بأنه "لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة وأسرته أو مسكنه أو مراسلاته ... "، كما أن الدستور المصري بمادته الخامسة والأربعون أقر كذلك بهذا الحق "وللمراسلات البريدية والبرقية والمحادثات التليفونية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها أو الإطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة ووفقا لأحكام القانون".

هذا الحق لم يمنح فقط للإنسان الطبيعي الحر، بل كفلته القوانين كذلك في الحالات الاستثنائية، فالمسجون والمحكوم عليه أعطي نفس الحق، فنص المادة 38 من قانون تنظيم السجون المصرية رقم 396 لسنة 1956 أعطي الحق للمحكوم عليه والمحبوس احتياطيا حق التراسل البريدي، وحتى دولياً وفي زمن الحرب لم يمنع أو يصادر هذا الحق، فالحق في التراسل لأسري الحرب مع ذويهم وأبناء وطنهم كفلته إتفاقية جنيف الموقعة في 12 أغسطس عام 1949 والمتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، والتي دعمته الاتفـاقية البريدية الدولية بإعفـاء تلـك المراسلات من رسوم التخليص بمادتها السابعة.

إذا حق التراسل البريدي والتواصل الإنساني حق مطلق، لا تقيده قوانين ولا معاهدات، بل أقرته كافة الاتفاقات والمعاهدات الدولية، وأيدته ودعمته الاتفاقات البريدية الدولية بمبـدأ بريدي هـام وهو مبـدأ حرية العبــور، والذي يكفـل انسياب حـركة البريد الدولي من كل من المرسل والمرسل إليـه دون حواجـز أو قيـود أو رقـابة.

أما العدالة فتتمثل في كفاءة إدارة المرافق البريدية بشقيها المكاني لبلد المرسل وبلد المورد، عدالة يجب أن يلتزم بها كلا الطرفين من أول عملية الإيداع لتلك البعائث وحتى التسليم النهائي للمرسل إليه، فلا يتصور أن تقوم بلد الإرسال بأداء الخدمة على أفضل ما يكون في مقابل أداء سئ من بلد المورد، والعكس... هذه العدالة تقتضي أن تسير كلا الجهتين في التسابق في بذل المزيد من الجهد لإيصال البعائث البريدية على النحو المرجو والمأمول من أصحابها منذ عملية الإيداع حتى التسليم النهائي للمرسل إليه.

وهذه العدالة لن تتحقق إلا من خلال منظومة بريدية دولية أكثر تجانساً، أكثر ارتباطاً وتفهماً لمشاكل البلدان النامية في رفع مستوي خدماتها، لن تتحقق إلا من خلال التعاون التقني الجاد والبناء بمد جسور التكنولوجيا للعديد من تلك البلدان التي تزداد مشاكلها يوما بعد يوم بسبب تعنت بعض دول العالم المتقدم بتسييس الاتفاقات والمعاهدات لفرض مزيد من الهيمنة والسيطرة والتدخل في شئون تلك البلدان ...

كما أن تلك العدالة لن تتحقق كذلك إلا من خلال عدالة حقيقية لأصحاب تلك المهنة، والتي تقوم على سواعدهم بالأساس صناعة البريد بدرجة كبيرة، عدالة في التمتع بالخدمات الصحية والاجتماعية، ومستوي متقارب من الأجور والامتيازات، وفي توزيع موارد تلك الإدارات توزيعاً عادلاً، فلا يحرم عامل من مقعد مناسب للجلوس عليه لأداء عمله، في حين يتمتع آخر بمكتب مؤثث بأحدث الأجهزة، في أن يتكبد عامل مشقة الوصول لعمله صباح مساء باستعمال وسائل المواصلات العامة، في حين يمتطي آخر أحدث موديلات السيارات (تويوتا ومرسيدس)، في أن يحرم أصحاب التخصص البريدي من العمل بمرفقهم الطبيعي، في حين يتم تعيين العشرات بل المئات من خريجي كليــات الزراعة والخدمـة الاجتمـاعية والآداب لمجـرد دعاية انتخـابية أو انتمـاء حزبي أو مصـالح شخصية.

تلك الفلسفة التي جعلت من البريد منارة ومنظومة قائمة منذ آلاف السنين، منظومة تعرف دائماً بالتزامها بالدقة والسرعة والأمانة، وعنوانها المرفوع دائمأ بالحق والعدالة، منظومة سوف تنتعش وتعيش وتظل نابضة بالحياة طالما التزم أصحابها بتلك الفلسفة، فلسفة الحق والعدالة !!..
.
وللحديث بقية ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الجمعة، 2 أبريل 2010

البريديون الجدد !!..

.
عام 2010 ليس كالأعوام السابقة، فالحراك السياسي والجدل عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في مصر على أشده، رغم كل ما يقال عن تغيب الشعب المصري وهمومه وعدم تأثيره في معظم قراراته المصيرية. فالجدل الدائر عن تعديل الدستور والمشاركة السياسية ونزاهة الانتخابات وكفالة حياة كريمة للمواطنين من مأكل وملبس ومسكن، جدل لا ينكره أحد سواء من المؤيدين أو المعارضين. هذا الجدل الذي حركه بعض النخبة من رموز المعارضة فتح آفاق جديدة وآمال عريضة في محاولة لكسر واقع الثبات والغيبوبة التي نعيش فيها، أملا في تغيير هذا الواقع وإحضار الشعب المصري من غيبوبته التي طالت لأكثر من نصف قرن من الزمان.

هذا الحديث عن عام 2010، عاد بي للوراء بالبحث ببعض أوراقي البريدية، وثائق طالعتها بدار الكتب والوثائق القومية، فوجدت وثيقة مسجلة تحت كود أرشيفي برقم 0066- 007094- 0069 بتاريخ 27/12/1921 وعنوانها "تلغراف إلى السلطان بشأن احتجاج موظفو البريد المصري على اعتقال سعد باشا زغول". فالبريد المصري كما ترون كان سباقاً في الحراك السياسي والاجتماعي، كان مشاركاً ليس في فاعليات مؤتمرات البريد العالمية فقط ولا مباريات كرة القدم ولا المصارعة ورفع الأثقال، بل كان مشاركاً وفاعلا في النشاط السياسي، دون أن يتهمه أحد بالبلطجة أو بتعطيل العمل أو بالعمالة لجهات أجنبية وخارجية.

أما البريديون الجدد (مع الاعتذار للمحافظين الجدد) فهم في دنيا غير الدنيا، فهم منكبون على مكاتبهم البريدية بصفة يومية حتى مغيب الشمس، منشغلون بأكل العيش والبحث عن أنبوبة الغاز والسكر والزيت، وعن العلاوة وأخبارها وكم ستكون، وهل سيتدخل الرئيس عجل الله شفاءه بزيادتها أم سيتركنا فريسة للغالي وزير المالية.

سألت أحد الزملاء عبر الانترنت عن رأيه في موضوع الدكتور البرادعي ؟ والأحداث الجارية وموقف من حوله من العاملين بالبريد من هذا المشهد وتفاعله مع هذا الحراك السياسي والمجتمعي؟... رد رداً قاتماً وقال كيلو اللحمة أصبح بخمسين جنية!!.. وآخر ممن يحظون بعناية ورعاية الإدارة العليا، أعترف ضمن تحقيق بصحيفة الشروق بتاريخ 12/6/2009 مؤكداً بأن راتبه الحالي يكفيه بشكل جيد ورفض الأفصاح عنه، وثالث كلما أرسلت له رسالة للسؤال عما قد يشاهده من اعتصامات أو اضرابات أو وقفات احتجاجية مما نسمع عنه في الصحف ونشاهده ببعض البرامج التلفزيونية، يرد بأن الأمور تمام والحياة هادئة ولا نري إلا مترو الإنفاق والميكروباصات الطائشة التي تجوب شوارع القاهرة، أما الأخير فيعتقد أن الرئيس أي كان موقعه حتى لو كان رئيس قسم، يأتي بإرادة الله وعلينا السمع والطاعة حتى لوكانت قرارته ظالمة!!..

هكذا الحال لهذا الجيل الجديد من البريديين، وكل ذلك يعد طبيعياً من وجه نظري، ففي ظل التغيب والغيبوبة التي أستمرت لأكثر من خمسين عام والتعامل الأمني، والخوف والرهبة التي يلاقيها موظفي البريد، وما نجده من سرعة إلصاق التهم لكل من يرفع صوته مطالباً بحقوقه المالية أو الوظيفية بالبلطجة وتعطيل العمل والعمالة للخارج وغيرها من الاتهامات الجاهزة التي لا تحتاج إلى خيط أو مخيط ، جعل البريديون الجدد ليسوا كسابق أجدادهم البريديون الأوائل، والحجة جاهزة أن الدكتور البرادعي ليس كسعد زغلول!!..

رحم الله البريديين الأوائل... ونسأل الله أن يعفو عنا وعن البريديين الجدد!!..
.
وللحديث بقية ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الجمعة، 19 مارس 2010

الــ UPU و الــ FIFA !!..


ينتاب الإنسان قدر غير قليل من الحيرة حين يجد نفسه يقارن بين أمرين أبعد ما يكونا في الأهداف والمرامي، فلو أنك قارنت بين البريد المصري والبريد التركي على سبيل المثال، لقلت أن هذا أمراً طبيعياً ومتعارف عليه في دنيا المقارنات، أما أنك تقارن بين الاتحاد البريدي العالمي UPU المنوط بتيسير حركة البريد على المستوي الدولي والاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA المنوط بإدارة لعبة كرة القدم عالمياً، فهذا يحتاج لمزيد من التدقيق والتفسير!!..

وواقع الأمر أن ثمة قواسم مشتركة كثيرة تجمع الاتحادين، أذكر بعضها للاسترشاد، وذلك إيضاحاً للسبب الحقيقي لطرق الموضوع، فعلي سبيل المثال:

- الاتحاد البريدي العالمي تأسس عام 1874 على خلفية اجتماع نحو عشرين بلداً بدعوة من الحكومة السويسرية، والذي انتهي بتوقيع معاهدة برن، التي تضمنت أول اتفاقية جماعية لتنظيم الخدمة البريدية الدولية وتأسيس الاتحاد البريدي العالمي، الذي أصبح الآن يضم نحو 198 بلداً، ومقره العاصمة السويسرية برن، ويعد من أعرق المنظمات الدولية المتخصصة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، التي تهدف لتوثيق أواصر الصداقة وتمكين التفاهم بين الشعوب وتوسيع ونشر الثقافات فيما بينها... أما الاتحاد الدولي لكرة القدم فقد تأسس عام 1882 باجتماع مندوبي أربعة اتحادات كروية هي الإنجليزي والويلزي والاسكوتلاندي والإيرلندي بالعاصمة البريطانية لندن، وتم وضع مبادئ وأسس لتنظيم لعبة كرة القدم، وسرعان ما أنتشرت تلك اللعبة خلال العقدين التاليين، حيث تم إقرار الاتحاد بصفة عالمية في 1904 حتى أصبح الآن يضم 207 اتحاداً كروياً، ومقره الحالي مدينة زيورخ السويسرية.

- الاتحاد البريدي العالمي يضم الملايين من عمال وموظفي البريد بكافة أرجاء المعمورة، فمازال العنصر البشري يمثل رافده الأساسي في إتمام مهامه بطريقة منتظمة وطبقاً لقواعد وقوانين ولوائح دولية تنظمها الاتفاقات البريدية الدولية، ويعكف على تطويرها وتحديثها مجالس منتخبة كل أربعة سنوات ممثلة في مجلس الإدارة ومجلس الاستثمار واللجنة الاستشارية، بهدف تيسير الخدمات البريدية لملايين من جمهور المتعاملين حول العالم بالصورة التي تواكب التطور الحضاري والمجتمعي لتلك الشعوب... أما الاتحاد الدولي لكرة القدم فيضم كذلك الملايين من اللاعبين المقيدين بجداوله دوليا ومحلياً، وغيرهم من الإداريين والفنيين والمدربين والأجهزة الطبية المعاونة، والتي تعمل من خلال لوائح وقوانين وأنظمة تحكم قواعد اللعبة والمسابقات المحلية والدولية، وتقوم الهيئة العليا المنتخبة بالاتحاد بأعمال الرقابة والمتابعة والتجديد من أجل تفعيل دور الاتحاد وخدمة الملايين من محبي وعشاق تلك الرياضة.

- الاتحاد البريدي العالمي يعمل من خلاله عدة اتحادات قارية وإقليمة كاتحاد البريد الأفريقي، والاتحاد البريدي لدول أمريكا والكاريبي، واللجنة العربية الدائمة للبريد، وهي جميعاً اتحادات إقليمية محدودة تهدف إلى التنسيق والتشاور فيما بينها... وكذلك الاتحاد الدولي لكرة القدم يعمل من خلاله عدة اتحادات قارية محدودة كالاتحاد الأسيوي لكرة القدم ، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي ..

- الاتحاد البريدي العالمي أصبح أكثر تطوراً وتحرراً في تقديم الخدمات البريدية وفي تحوله نحو المزيد من الاستثمار وسياسة السوق المفتوح، فالخدمة أصبحت في السنوات القليلة الماضية ليست خدمة جماهيرية ولا مجتمعية، بل أصبحت خدمة لمن يدفع... أما الاتحاد الدولي لكرة القدم فأضحي كذلك من الهواية والاستمتاع إلى الاستثمار في بورصة اللاعبين والاستفادة المالية من شركات الدعاية والإعلانات، والاحتكارات في البث الهوائي والتلفزيوني، فأصبحت خدماته أيضاً لمن يدفع، وكله على حساب الجمهور.

ثمة قواسم كثيرة وتشابه بين الاتحادين، إلا أن اللافت للنظر وما نود طرحه، هو أن الاتحاد الدولي لكرة القدم يفرض ضوابط ولوائح وقوانين تنظم عملية انتخاب مجالس إدارات الاتحادات المشاركة تحت لوائه، ولا يمكن للدولة التابعة له الاتحاد المشارك أن تتدخل لحل تلك المجالس المنتخبة أو تقيد مهامها أو التدخل في شئون اللعبة أو قواعد انتقال اللاعبين، وإلا واجهت عقوبات قاسية تفرض عليها بالمنع من المشاركات الدولية، أو تقيد حرية انتقال اللاعبين، أو الشطب، والأمثلة على ذلك كثيرة كالإجراءات التي أتخذت مع الاتحاد الإيراني لكرة القدم أو الاتحاد العراقي... بينما الاتحاد البريدي العالمي فلا يمكنه التدخل في شئون مجالس إدارات الهيئات والمؤسسات البريدية المشاركة تحت لوائه، فجميعها تقريباً يتم تعينها من قبل الدولة، ولا يتم انتخابها، وتلك المجالس قد تتخذ العديد من الإجراءات والقرارات التي ما كثيراً ما تصب في غير صالح الخدمة أو صالح العاملين بها، ولا يغرنك حالات المراقبة النوعية التي تحدث بين الحين والآخر لتيارات البريد، ويقف الاتحاد البريدي العالمي مكتوف الأيدي لا يستطيع التدخل أو التوجيه، فهو اتحاد أمام أعضائه لا حول له ولا قوة.

تخيل في اللعب يأتي من يقوم بالإدارة بالانتخاب واختيار الأصلح، وإلا واجه العقوبات والشطب والحرمان من المشاركة في المسابقات الدولية، بينما في الجد يأتي من يقوم بالإدارة بالتعيين، والمعين غالباً ما يكون طوع أمر من عينه لا سواه ..

كل تلك الأفكار تذكرتها حين لكزني طبيب التخدير وحين آفقت من العملية الجراحية التي أجريت لي في الأسبوع الماضي، ولولا تلك اللكزة لكان موقفي اللي نعرفه خيراً من اللي مانعرفوش!!..

وللحديث بقية ..
ashraf_mojahed63@yahoo.com


الاثنين، 8 مارس 2010

ساعي البريد !!..

.
أقصد موزع البريد، دون سواه!!..فهذا الرجل الذي يجوب الشوارع والحارات للبحث والتنقيب عن عناوين ومنازل أصحاب الرسائل، قد يساهم في صناعة تاريخ بعض الأشخاص، قد يدخل السرور على قلب طفل تركه أباه مسافرا باحثاً عن رزقه، وقد يكون بشير نور وضياء كبشير يعقوب عليه السلام، فهو يحمل معه حكايات القدر وتصاريفه، أخبار الفرح والحزن، الحياة والموت، الفرج والكرب، كثيرا منا لا يعرف المعاناة التي يلاقيها موزع البريد، فعملية إيصال البعائث البريدية لأصحابها تمر بمراحل عديدة تنتهي بقيام موزع البريد بإيصالها لأصاحبها، وهذا الأمر الأخير قد يفوق المشقة ذاتها.

هناك اعتقاد سائد أن وظيفة موزع البريد عالة أو عبء على زملائه من العاملين بالحقل البريدي، فهو يقدم خدمة بلا مقابل ودون تحصيل أي أجرة أو رسوم من جراء عملية تسليم البعائث البريدية، هذا الاعتقاد الخاطئ جعل منه موظفاً مهملاً، لا حقوق له، لا يستطيع المطالبة بتحسين ظروف عمله أو بحقوقه من مكانة وظيفية أو بدلات مالية ومخاطر مهنة، بينما هذا الاعتقاد الخاطئ يناقض الحقيقة، فمن المتعارف عليه دولياً أن البلد المصدرة للبعائث البريدية تقوم بدفع تكاليف عمليات الفرز والتوزيع لبلد المورد، بما يعرف في المحاسبة الدولية البريدية بالنفقات الختامية، وهذه النفقات أخذت حيزاً كبيراً في الأونة الأخيرة من نقاشات ومداولات بالمؤتمرات البريدية الأخيرة بغية الوصول إلى ربط بين قيمة ما يدفع من تلك النفقات بنوعية وجودة الخدمة المؤداه من قبل بلدان المورد، ومن ثم فأن معيار تحقيق العدالة أن ترتبط تلك النفقات والحوافز والمميزات الإضافية التي تدفعها بلد المصدر لبلد المورد بما يقوم به هذا الموزع من جهد وعرق ودقة في عملية التوزيع، فموزع البريد الذي يحسن عمله طبقاً للمعايير الدولية قد يصبح الآن مصدراً لدخل ونمو إدارته وليس العكس على ما يعتقد البعض.

وتاريخياً يحدثنا التاريخ عن أول وثيقة جاء بها ذكر البريد حوالي عام 2000 ق.م وهي وصية كاتب لولده يوصيه فيها عن أهمية صناعة الكتابة والمستقبل الزاهر للعمل في وظائف الحكومة، ومن بين ما قاله "أما ساعي البريد فانه يحمل أثقالا فادحة، ويكتب وصيته قبل أن ينطلق في مهمته توقعا لما يصيبه، من الوحوش، والآسيويين".
.
وحديثاً أجد نماذج باهرة من هؤلاء الموزعين عبر العالم:
فالموزع الهندي أنادي بهاشارجيه، يعمل موزع للبريد بالنهار وممثل مسرحي بالليل، التحق بالعمل بالبريد الهندي منذ خمسة عشر عاماً، بجزر آندامان الهندية، ومتزوج وأب ودخله الشهري لا يتجاوز 275 دولار أمريكي، أهتدي لطريقة لتأمين عيشه هو وأسرته بالعمل كممثل مسرحي ليلاً بعدما يأس من زيادة دخله بالبريد الهندي.
وكذلك الموزع الرواندي إيمانويل هافوجيمانا، يعمل بالبريد الرواندي، ومغني بفريق كوارل بالليل، التحق بالعمل بخدمة البريد العاجل بمدينة كيغالي منذ عام تقريباً، ودخله لا يتجاوز 140 دولار شهريا، والقيام بالغناء يشبع هوايته ويؤمن له دخلاً إضافياً لتأمين عيشه وأسرته الصغيرة.
أما الأمريكية جينيفا كوبال، فتعمل كموزعة بريد منذ 22 عاماً بالولايات المتحدة الأمريكية، أم لطفلين وشغوفة بهواية التصوير الفوتوغرافي والتزحلق على الماء، راتبها الشهري يقترب من 4500 دولار (مجلة الاتحاد البريدي العالمي، الأعداد 4،3،2/2009).

أما موزع البريد المصري، فهو متهم حتى تثبت برءأته، يسير خلفه في الشوارع عشرات من المفتشين والمفاجئين والمراقبين، خوفاً على البعائث البريدية، كما أنه يقضي نهاره بالكامل في اللف والدوران على أرقام وشوارع متكررة وغير مرتبه وسط عشوائيات وشوارع غير ممهدة وطرقات ومدقات وعرة، ناهيك عما يلاقيه من معاملة سيئة من جمهور لا يعي ثقافة احترام العمل وتقديره، ويقضي ليله واضعاً قدمه في ماء ساخن وملح لتخفف من الآم قدمه، حتى يستطيع مواصلة رحلة عذابه في اليوم التالي.

وإذا كان الموزع الهندي يعمل ليلا كممثل مسرحي، والرواندي كمغني ضمن فريق كوارل لتحسين دخلهما، والموزعة الأمريكية تستمتع بباقي يومها بهواية التصوير والتزحلق على الماء، فنصيحتي للموزع المصري في ظل ظروفه الحالية ولكي يزيد من دخله أن يتوكل على الله ويشتغل ....!!. عملاً بمقولة الفنان عادل إمام في مسرحيته الشهيرة شاهد مشافش حاجة.
.
وللحديث بقية ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الثلاثاء، 2 مارس 2010

شخصيات بريدية !!..


كان يا مكان في سالف العصر والزمان، رئيس مجلس إدارة للبريد المصري كان غلبان!!.. أعتذر، أقصد كان محترماَ وليس له في اللف والدوران والتحايل على القانون. الأستاذ/ رأفت خلوصي حسن، رحمه الله، عين رئيساً لمجلس إدارة الهيئة القومية للبريد خلال الفترة من 29/8/1996 حتى 7/3/1997 وتم تمديد له عام إضافي بعد بلوغه سن المعاش حتى 7/3/1998.

عرفته شخصياً وتعاملت معه في عدة مواقف مختلفة، كان مجتهداً ومثالاً للذكاء والانضباط والتفاني في العمل، وكذلك كان صاحب حضور وكرزمة مميزة، يجذب إليه من يتعامل معه، أهم ما كان يميزه براعته وكفاءته البريدية والإدارية، فكان رحمه الله، يمكث بمكتبه فترات طويلة لمراجعة وتدقيق ما يعرض عليه من مذكرات وأوراق، ويحمل ما تبقي منها للمزيد من الدراسة والفحص بمنزله لفترات طويلة من الليل، والتي لا تكاد تنفك منها ورقة إلا بتعليق جانبي أو طلب استفسار أوإعادة العرض لمزيد من تحري الدقة من البيانات، فكان كثير السؤال والتدقيق في كل كبيرة وصغيرة، ويتعامل مع الصغير والكبير بقدر كبير من الود والاحترام.

هذه المعلومات تيقنت منها أثناء التعامل معه، فأذكر ذات يوم أنه أرسل في استدعائي بمكتبه قبل موعد مغادرة العمل ببضع دقائق لمناقشتي في جملة ذكرتها بمذكرة تقدمت بها إليه، وأمتد النقاش معه لأكثر من ساعتين مستفسرا ومدققاً حتى في تركيبة الجملة لغوياً، وذلك قبل أن يؤشر على المذكرة بعبارة أوافق.

هذه البراعة والمواهب القيادية والإدارية النادرة سواء داخلياً وخارجياً وعلاقاته الواسعة دولياً، إلا أنه كان غلبان!!.. وأعتذر للمرة الثانية، وسوف أوضح لماذا كان كذلك؟!..لأنه ببساطة لم يستطع يوماً أن يلتف حول القانون أو يتلاعب بنصوصه أو يحصل على ميزة أو منفعة خارج حدود ما رسمه القانون، هذا ما شاهدته وعاصرته، رغم ما أتخذه ضدي ظلماً بسبب بعض الوشايات والأحقاد التي كيدت لي في ذلـك الوقت - سامحهم الله - فقد تبين خلال سنة مالية أنه قد حصل بحكم منصبه من راتب وبدلات ومزايا أخري على مبلغ تجاوز ما هو مقرر بالقانون رقم 105 لسنة 1985 بشأن الحد الأعلي للأجور، وقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 615 لسنة 1986 بأنه "لايجوز أن يزيد على 54 ألف جنيه سنويا مجموع ما يتقاضاه أي شخص يعمل في الحكومة أو وحدات الإدارة المحلية أو الهيئات أو المؤسسات العامة أو بنوك القطاع العام أو هيئات القطاع العام وشركاته، بصفته عاملا أو مستشارا، أو بأي صفة أخرى، سواء صرفت إليه المبالغ بصفة مرتبات أو مكافآت أو بدلات أو حوافز أو بأي صورة أخرى"... هذه الزيادة التي صرفها على مدار السنة المالية قدرت بنحو ثلاثة الآف جنية، قام بردها على الفور بعد حصرها احتراماً للقانون ولتقرير الجهاز المركزي للمحاسبات دون تردد أو مرواغة، تخيل!!..

موقفه هذا جعل ما ينشر ببعض الصحف عن رواتب وبدلات بعض العاملين بالبريد المصري حالياً والتي يقال أنها تجاوزت أكثر من ثمانيين أو مائة ألف جنية شهرياً كصحيفة المصري اليوم بتاريخ 4/5/2009 وصحيفة الدستور بتاريخ 28/12/2009 دون تعقيب أو إيضاح من إدارة البريد المصري، ظل حاكاً بصدري لعدة شهور حتى صدور حكم المحكمة الدستورية العلـيا بالقضية رقم 202 لسنة 28 قضـائية بتــاريخ 6/12/2009 بعدم دستورية نص المادة الثانية من القانون رقم 105 لسنة 1985 بشأن الحد الأعلى للأجور، وما فى حكمها، فى الحكومة ووحدات الحكم المحلى والهيئات والمؤسسات العامة والشركات والجمعيات، وسقوط قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 615 لسنة 1986، وبذلك أصبح التنويه والغمز عما ينشر ببعض الصحف، حديثاً باهتاً لا محل له، بينما أصبح صدري وكأن أمد بأنبوبة أوكجسين حديثة التعبئة...

ولا تعقيـب على أحكـام القضــاء المصري العــادل، وفي انتظـــار عدم دستورية تحــديد الحــد الأدنــي للأجـــور!!..
.
وللحديث بقية ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com