السبت، 28 يونيو 2008

مقترحات مؤتمر البريد/ جنيف 2008


سيعـقد بمدينـة جنـيـف السـويسرية فيـما بيـن 23 يوليو و 12 أغسطس القادم مؤتمر البريد العالمي/ جيف2008 حيث كان من المقرر سلفاً انعقاده بمدينة نيروبي العاصمة الكينية، ولوقوع بعض الاضطرابات السياسية والأمنية بسبب الانتخابات الأخيرة هناك تقرر نقل المؤتمر لمدينة جنيف السويسرية...
.
هذا المؤتمر هو الرابع والعشرون منذ تأسيس الاتحاد البريدي العالمي في عام 1874، ويعقد كل أربعة سنوات، حيث يمثل عرس لممثلي الإدارات البريدية لأكثر من مائه وتسعون دولة يناقشون أهم القضايا البريدية الدولية، وينتخبون أعضاء مجلس الإدارة ومجلس الاستثمار، كما يتم التصويت على الدراسات والمقترحات المقدمة سواء من مجلس الإدارة ومجلس الاستثمار أو المقترحات المقدمة من البلدان الأعضاء.

بيـد أننــا نجــد تطــوراً ملحـوظـاً قــد أضــفي مــزيـداً من المعــلوماتــية على مقـترحـات ذلــك المؤتـمر، فبـعد أن كاـنت تلـك المقتـرحـات ترسل للبلــدان الأعضــاء بـوسائل البريــد التقلــيدية ويستغرق ذلــك وقتــاً طـويلاً، أصبــحت تنشر على الموقــع الإلكتــروني للاتحــاد، وبعد أن كانت مغلقة وحكراً على بعض العاملين بالإدارات البريدية، أصبحت متاحة للمهتمين والباحثين والدارسين، وفي متناول الجميع للتدقيق والتعليق ومعرفة كل ما هو جديد في مجال البريد الدولي...

هذه المقترحات تقدم وفق منظومة خاصة ينظمها بدقة متناهية دستور الاتحاد البريدي العالمي بالمادة 29 (تقديم الاقتراحات) والمادة 122 من النظام العام (إجراءات تقديم الاقتراحات للمؤتمر) وتنشر تباعاً على البلدان الأعضاء قبل انعقاد المؤتمر حتى يتسنى تدقيقها ودراستها تمهيداً للتصويت على محتواها بالمؤتمر العام... هذه الاقتراحات أوردت إرساليتها السادسة المعدلة من المكتب الدولي للاتحاد البريدي العالمي بتاريخ 23 يونيو 2008 متضمناً آخر تعديلات واقتراحات أرسلت من البلدان الأعضاء، حيث بلغت تلك الاقتراحات نحو خمسمائة اقتراح تقريباً مصنفة على هذا النحو:
اقتراحات ذات طابع عام ( 80 اقتراح بالكود P00-0000-00 )
اقتراحات الدستور ( 19 اقتراح بالكود P10-0000-00 )
اقتراحات النظام العام ( 47 اقتراح بالكود P15-0000-00 )
اقتراحات النظام الداخلي للمؤتمرات ( 6 اقتراح بالكود P19-0000-00 )
اقتراحات الاتفاقية ( 103 اقتراح بالكود P20-0000-00 )
اقتراحات الاتفاقية / البرتوكول الختامي ( 23 اقتراح بالكود P23-0000-00 )
اقتراحات نظام بريد الرسائل ( 95 اقتراح بالكود P25-0000-00 )
اقتراحات نظام بريد الرسائل/البرتوكول الختامي ( 5 اقتراح بالكودP27-0000-00 )
اقتراحات نظام بريد الرسائل / النماذج ( 11 اقتراح بالكود P29-0000-00 )
اقتراحات نظام الطرود البريدية ( 36 اقتراح بالكود P35-0000-00 )
اقتراحات نظام الطرود البريدية / النماذج (1 اقتراح بالكود P39-0000-00 )
اقتراحات خدمات الدفع البريدية / الاتفاق ( 50 اقتراح بالكود P40-0000-00 )
اقتراحات خدمات الدفع البريدية/ النظام المالي ( 20 اقتراح بالكودP45-0000-00 )

ولأن الكثيرين من العاملين بالحقل البريدي بالعديد من البلدان العربية لايتسنى لهم الإطلاع على تلك المقترحات أو معرفة نوعياتها وأقسامها والهدف منها، ولمزيد من نشر المعلومات البريدية الدولية، وكذلك بطلب من بعض الزملاء بالإدارات البريدية العربية، وددت إيضاح بعض المعلومات وتقييم بعض تلك الاقتراحات بشئ من التعليق والشرح المبسط، ضمن سلسلة متتالية من المقالات القادمة أن شاء الله، بما يحقق الإفادة للجميع، ويسعدني أن أتلقي تعليقاتكم وملاحظاتكم على العنوان الإلكتروني التالي بشأن تلك التعليقات..

وللحديث بقية ... عن الاتفاقية البريدية وبروتوكولها الختامي ..

الجمعة، 20 يونيو 2008

الكفاءات البريدية الدولية ..

.
كثير من العاملين بالحقل البريدي اليوم خاصة الشباب منهم لا يعرفون الكثير عن بعض الرجال الأفذاذ الذين صنعوا تاريخ البريد المصري والدولي، رجال حققوا نجاحات كبيرة وتفوق فاق كل تصور في مجال البريد سواء على الصعيد المحلي أو الصعيد الدولي، فالكثير منا لا يعرف محمد بك شرارة أو محمد إبراهيم صبحي أو ميشيل الراعي ...
.
التذكير بهؤلاء الرجال جعلني أسترجع تاريخاً طويلاً من تاريخ البريد المصري والبريد العربي... أسترجع قمم بريدية حقيقية لم يستطع أحد من الجيل السابق أو الجيل الحالي أن يلحق بهم، تذكرت هؤلاء القمم وأنا أتصفح موقع الاتحاد البريدي العالمي لمعرفــة آخر الأخبــار عن الاستعـدادات الخاصة بمـؤتمر البريــد العالــمي في يوليـو القــادم/ جنـيف 2008، فعندمـا وقعــت عيني على المذكــرة الرابعـة/المـؤتمر، الصــادرة بتاريـخ 20/5/2008 والخاصة بتشكيل الأمانة العامة للمؤتمر الرابع والعشرون، وبأسماء القائمين على مهام الأمانة العامة للمؤتمر لم أجد أسماء عربية إلا السيد/ عبد الإلة بوسته، أمين اللجنة الثامنة (التعاون من أجل التنمية) والسيد/ لحسن شويطر أميناً مساعدا لذات اللجنة ..
.
ودون الإسهـاب في التفـاصـيل التاريخـية أذكــر سـريعاً بهــؤلاء العظــماء الثــلاثة... فـالأول: محمـد بـك شــرارة، مـديـر مصـلحة البريــد اعتبــاراً مـن 10/1/1930 حـتى 1/6/1936، الذي استطاع بعبقريته الفذة وحكمته الفائقة أن يترأس ويدير أعمال المؤتمر العاشر للاتحاد البريدي العالمي بالقاهرة عام 1934، والذي من خلاله لفت انتباه العالم أجمع للتقدم التقني والحضاري للبريد المصري وتطور مشاريعة بصورة مضطردة وسريعة تواكب التقدم الأوروبي في هذا المجال، كما عمد إلى افتتاح متحف البريد المصري. والثاني: محمد إبراهيم صبحي، مدير عام هيئة البريد خلال الفترة من 4/7/1968 حتى 31/12/1974والذي حظي بتقدير كبير لحسن إدارته لهيئة البريد محلياً ودولياً فانتخب مديرا عاماً للمكتب الدولي للاتحاد البريدي العالمي خلال مؤتمر الاتحاد البريدي العالمي / لوزان 1974 ... أما الثالث: ميشيل الراعي، فكان أول مصري انتخب عام 1967 كأجنبي مديرا عاما للمكتب الدولي للاتحاد البريدي العالمي، حيث كان المنصب مقصوراً على المواطنين السويسريين فقط ..
.
هذه الكفاءات النادرة لم تكن وليدة الصدفة أو من رحم صناعي، بل كانت كفاءات نابعة من التوجه العام للإدارات البريدية العربية، التي كانت تعمل بجد واقتدار من أجل تفريغ باحثين بريديين وكفاءات دولية تستطيع التواصل مع العالم المتقدم ومسايرة ما يقدمونه من دراسات فنية وتقنية في مجالات الخدمة البريدية... أما الآن فالكفاءات في مجال البريد الدولي أصبحت محدودة للغاية، خاصة على المستوي العربي، ولا نجد إلا القليل جداً وباجتهادات فردية وشخصية، تحارب في كثير من الأحيان من عقول بالية ومتحجرة تزيد من تقوقعها، وانعزالها عن كل تطور وجديد في المجال البريدي.
.
فالبحث الفني والتقني في مجال الدراسات البريدية الدولية أصبح مهمشاً في كثير من البلدان العربية، رغم أهميته الكبري وحاجتنا إليه أصبحت ضرورة ملحة في ظل هذا الفيض الهائل من التحولات التقنية والاقتصادية للمنتج والسوق البريدي.. والتدليل على هذا التهميش تعزوه أسئلة كثيرة، مؤلمة أحياناً، والإجابة عليها قد تكون أكثر ألماً... فماذا قدم العرب خلال ثلاث أو أربع مؤتمرات بريدية سابقة؟ وأين هي الدراسات الفنية والمشاركات الإيجابية لمنظومة البريد الدولي ؟
.
ولا يسعنا إلا أن نشيد بكل من السيد/ عبد الإله بوستة، مدير إدارة التعاون من أجل التنمية، والسيد/ لحسن شويطر، رئيس برنامج تنمية الموارد البشرية والتدريب بالاتحاد البريدي العالمي، على جهودهما الرفيعة والمتميزة سواء على المستوي العربي أو المستوي الدولي كمديرين أكفاء بالاتحاد، ممثلين لكل العرب، رافعين للراية العربية في هذا المحفل الدولي الهام، ونتمني أن نشاهد مستقبلاً تقدماً عربياً في المجال البريدي الدولي يشارك ويسهم اسهاماً إيجابياً في المنظومة البريدية الدولية ..
.
وللحديث بقية ..
ashraf_mojahed63@yahoo.com

السبت، 31 مايو 2008

مريض يريدياً ..


خلال الأسابيع القليلة الماضية تعرضت لوعكة صحية جعلتني ألزم الفراش لفترات طويلة من الليل والنهار، شعرت خلالها ببعض الآلام الشديدة في رأسي وجانبي الأيسر، ورغم طمأنة الطبيب وتناول بعض الأدوية المسكنة، إلا أنني مازلت أشعر بمعاودة تلك الآلام من حين لآخر، أوصفها مجازاً بأنها قد تكون تهيج القولون العصبي أو التهاب المرارة أو تورم نفسي، أوصاف أعبر بها أحياناً عن حالة الغيظ والغضب وأحياناً عن اليأس والحسرة.
.
وطبيعي عندما يجلس الإنسان في فراشه لفترات طويلة، يجد فرصة للتفكير والتأمل فما حدث له في الماضي، ومجريات حياته في العمل ومع زملائه ورؤسائه وغيرها من هموم الحياة، تجدها جميعاً تمر أحياناً كشريط سينمائي يمر أمام عينيك، تمعن النظر فيما تحب أن تراه وتغمضها فيما لا تحب أن تراه. قد تكون طبيعة بشرية، فالإنسان يحب أن يتذكر فقط ما يريد أن يتذكره... لكن هذه المرة أردت وأن أنظر إلى سقف الغرفة أن أحدد بدقة أسباب هذا الغضب أو اليأس أو هذا التورم النفسي - سمها ما شئت- أردت تحديد المشكلة، لكي أسعي للعلاج، وأستشير فيه من هو أكبر سناً وخبرة، فوجدت أن السبب يرجع إلى أمرين لا ثالث لهما :
.
الأول : وهو سبب عام يشاركني فيه كثير من الناس، خاصة زملاء العمل أو العاملين بالقطاعات الحكومية المختلفة بوجه عام، ويرجع بالأساس إلى ما نلاقيه عموماً من معاملة وتجاهل بعض الرؤساء أو الزملاء بصفة يومية... ولك أن تتخيل أن رئيسك في العمل يمنعك من مزاولة عملك، أو أن ينشر عنك الأكاذيب، أو يحرض عليك الزملاء والرؤساء الآخرين، أو يقف حجر عثرة أمام حصولك على حقوقك المالية والأدبية، أو يتلاعب بما تقدمه من أفكار واقتراحات، أو يتلذذ بإثارة أعصابك واستفزازك بصورة مستمرة لتخرج عن طبيعتك، أو يتفنن في خلق لك المشاكل ووضع أمامك العراقيل والخوازيق بصفة يومية... ولك أن تتصور أنني أقابل كثير من الزملاء وهم مطأطئ الرأس، تشعر بأنفاسهم المكسورة، وعقولهم المدلاة على صدورهم، تشعر بهم من نبض أيديهم ونظرات عيونهم، فبعضهم يعاني ما أنت فيه، وبدرجات متفاوتة، تشعر بالتهامس فيما بينهم أو بالحديث معك، فالذي يحدث لك يحدث لهم، وكلنا يا عزيزي في الهم سواء... أو تتخيل أنك لا تستطيع أن تنجز عملك الذي تحبه بالطريقة الصحيحة، أو تنجز الحد الأدنى الذي يحقق طموحك المهني، أو ما يدفعك لتحقيق أمنياتك بالتقدم في العمل وإنجازه بصورة أفضل... هل تتخيل يوماً أن يطلب منك أن تكون كالكرسي الذي تجلس عليه، أو أن يطلب منك أن تلغي عقلك وضميرك لتصبح خارج نطاق الخدمة وأنت في عمر الشباب... كل هذا بالتأكيد سوف يزيد آلام مرضك ويضاعف أوجاع جسدك...
.
والسبب الثاني : وهو سبب خاص جداً، متعلق بي شخصياً لكوني أعمل بمجال أحبه، ولا أستطيع الانقطاع عن التفكير فيه ولو لبرهة واحدة وهو البريد... أو بالأخص الدراسات البريدية الدولية والحسابات الدولية، الذي جعلني منفتحاً على العالم الخارجي، مدققاً لكل ما يرد إلي من الإدارات البريدية الأجنبية، متصفحاً وباحثاً بصفحات الانترنت عن كل ما هو جديد وتقني في مجال البريد ونشاطه الدولي... تفكير مستمر ومتواصل للبحث عن المعلومات البريدية، والأنشطة المرتبطة به، لدرجة أنني لا أستطيع النوم إلا بعد تصفح الاتفاقية البريدية الدولية أو نظامها التنفيذي أو ما يصل إلى من استقصاءات أو نشرات الاتحاد البريدي العالمي... هذا التفكير والبحث جعل مدار حديثي اليومي عن البريد ونشاطه وأهميته وتاريخه ووسائل نقله وتطوره عبر السنين .. عن الطوابع البريدية وأشكالها وتاريخها وأهميتها، عن مؤتمرات البريد العالمية ومقرات انعقادها وما تمخض عنها من اتفاقات ومعاهدات ..
.
مريـض بريــدياً !!.. هذا المرض يزداد يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة بسبب ما أتصفحه يومياً عما يحدث من تطورات هائلة في مجال البريد، مقارنة بما نحن فيه، فعندما تعرف أن البريد البرازيلي يقدم من خلال 8000 مكتب بريد وعلى شبكة الانترنت خدماته للتصدير الخارجي لمنتجات نحو أكثر من 6000 مؤسسة صغيرة ومتوسطة، بكل ما فيها من خدمات لوجيستية وإجراءات جمركية ... وعندما تعرف أن البريد التونسي يسجل ريادة معلوماتية من خلال ربط الرسائل المرسلة بواسطة الهاتف المحمول SMS وبالبريد الإلكتروني عبر الهاتف المحمول MMS معلومات عن بعائث البريد السريع ويضمن الإشعار بالاستلام لحوالات الدفع ويبلغ معلومات عن التغيرات في حسابات التوفير والحسابات البريدية الجارية عبر الهاتف ... أو تعرف أن إدارة بريد قطر وبالتعاون مع إدارة بريد الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية أقدمت منذ مارس الماضي على قياس مدة توجيه بريد الرسائل المتداول فيما بينها بفضل شرائح تقنية التعرف بواسطة الترددات الراديوية RFID التي يتم قراءتها عن بعد ودون اتصال بصري عند المرور عبر سبع بوابات أو بفضل أجهزة قراءة هذه التقنية المركبة في منشآت معالجة البريد ... أو تعرف أن إدارة بريد المملكة العربية السعودية من خلال مشروع واصل أنها ركبت نحو خمسة ملايين صندوق بريدي منزلي لتسهيل مهام التوزيع وضبط دقته إلكترونياً .... كل ذلك بالتأكيد يجعلك تزداد مرضاً ويجعلك تلزم فراشك وتتورم نفسياً وعقلياً... أدعو لي بالشفاء..
.
وللحديث بقية أن شاء الله ...

السبت، 24 مايو 2008

خصخصة الخدمات البريدية ..

.
من منا لا يعرف طلعت حرب !!...
.
سألتني ابنتي -عشر سنوات- هل طلعت حرب رجل وطني؟
.
قلت لها بالطبع فهو أبو الاقتصاد المصري، وصاحب الفضل في تحرير الاقتصاد المصري من السيطرة الأجنبية، وهو من قام بتأسيس بنك مصر كأول بنك مصري بأموال مصرية خالصة، وهو من أسس شركات عديدة وطنية مثل شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، وشركة مصر للنقل النهري، وشركة مصر للملاحة البحرية، وشركة مصر لأعمال الإسمنت المسلح، وشركة مصر للصباغة، وشركة مصر للمناجم والمحاجر، وشركة مصر للألبان والتغذية، وشركة مصر للكيمياويات، وشركة مصر للفنادق، وشركة مصر للتأمين، وشركة مصر للمصنوعات المصرية، وشركة مصر للطيران ، كما أسس أول مطبعة مصرية...
.
قالت في تعجب !!.. وهل من يقوم ببيع هذه الشركات وطني أيضاً ؟ .. لم أستطع الرد، وظللت صامتاً عاجزاً عن الإجابة، لأنني لست متخصصاً في علم الاقتصاد أو على دراية كافية بظروف وملابسات كلا الطرفين ..
.
بيد أن موضوع الخصخصة قد طرح نفسه بقوة خلال العقدين الماضيين، وعلى اهتمام بلدان العالم سواء كانت متقدمة أو نامية، فعبارة الخصخصة مصطلح اقتصادي لكلمة privatization ولا يوجد لها مفهوم دولي متفق عليه بين البلدان، حيث يتفاوت هذا المفهوم من بلد لآخر .. ويمكن القول أنها فلسفة اقتصادية حديثة ذات استراتيجية لتحويل عدد كبير من القطاعات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية التي لا ترتبط بالسياسة العليا بالدولة من القطاع العام إلى القطاع الخاص، فالدولة يجب أن تهتم بالأمور السياسية والإدارية والأمنية التي ترتبط بسياستها العليا، أما سائر النشاط الاقتصادي فيمكن أدائه من قبل القطاع الخاص في إطار قوانين وأنظمة تضعها الدولة ..
.
أما عن البريد ، فكان كما هو معروف أحد الركائز الأساسية لبنيان الدولة منذ أن ظهرت بنظمها الإدارية والسياسية قديماً وحديثاً، هذه الأهمية لها شواهدها، فالخديوي إسماعيل على سبيل المثال أحس بأهمية شركة البوستة الأوروبية التي كانت تسيطر على أعمال البريد في مصر، فأصر على شرائها من صاحبها موتسي بك عام 1865 لتصبح ملكاً للدولة المصرية، دليلاً على أهمية هذا المرفق وارتباطه بأمور الدولة وأسرارها..
.
وحديثاً وخلال الأعوام القليلة الماضية برزت فكرة خصخصة الخدمات البريدية بدول عديدة كان أبرزها وأكثرها ضجة خصخصة البريد اليابانى، فالحكومة اليابانية بدأت مؤخراً خطة طويلة الأمد لخصخصة البريد بعد سنوات من الجدل السياسي، وبعد الحملة التي شنها رئيس الوزراء الياباني السابق كويزومي، الذي جعل من إصلاح البريد المسألة الرئيسية في برنامجه الانتخابي، حيث أعلن بعد فوزه بالانتخابات عام 2005 وموافقة مجلس الشيوخ الياباني على خطة لتقسيم هيئة البريد إلى أربعة كيانات منفصلة هي الصيرفة والتأمين والبريد وخدمة العملاء، والبريد الياباني كما هو معروف من أكبر الكيانات البريدية في العالم حيث يضم نحو خمسة وعشرون ألف مكتباً وتبلغ أصوله نحو ثلاثة مليارات دولار.... كما هناك عملاقاً ألمانياً حقق أرباحاً هائلة خلال السنوات القليلة الماضية يجب أن نشير إليه أيضاً وهي شركة الخدمات البريدية الألمانية "دويتشه بوست" التي واكبت تحولات السوق العالمي في إطار العولمة الاقتصادية وقيام الاحتكارات الضخمة وذلك بتنويع نشاطاتها وتوسعها إلى السوق الخارجي بشراء سلسلة من الشركات في مجال النقل البريدي واللوجستي مثل شركة دانزاس السويسرية و دي اتش إل للنقل السريع وشركة ايربورنه الأمريكية وأخيراً شركة الخدمات البريدية البريطانية أكسل ..
.
أما الإدارات البريدية العربية فمازالت لم تنزلق قدميها بعد لسلم الخصخصة، فنجد معارضة عمالية ونقابية ببعض الإدارات كإدارة بريد المغرب والبحرين والأردن والسودان، بينما تعيد دولة الإمارات العربية إعادة هيكلة مؤسساتها البريدية فأنشئت شركة قابضة للبريد تضم عدة شركات تضوي تحت لواء الشركة الأم، وهناك إدارات أخرى كإدارة بريد السعودية تسير بخطي نحو الشراكة والاندماج مع إدارات بريدية أكثر خبرة وتقنية...
.
واللافت للنظر أن دولاً ينظر إليها على أنها قاطرة النظام العالمي الجديد، وتدفع المؤسسات الاقتصادية الدولية للضغط لمزيد من التحول للقطاع الخاص بمختلف البلدان النامية عجزت عن خصخصة قطاع البريد لديها، فنجد بريطانيا على سبيل المثال رغم تجربتها الناجحة في مجال الخصخصة، فقد حاولت الحكومة البريطانية خصخصة البريد بنشر ما يعرف بالكتاب الأخضر عام 1994، الذي أوصي ببيع أسهم 51% من أسهم البريد الملكي، ولكن معارضة النقابات العمالية وأعضاء بمجلس الشيوخ أفشلت المشروع واستعاضت عنه الحكومة عام 1995 بإجراء إصلاحات إدارية ومالية لتدعيم استقلال البريد... وكذلك خدمة البريد الأمريكي الذي يمتلك احتكاراً لبريد الدرجة الأولي متحصناً بقوانين الاكسبريس التي تحرم على الأفراد والمؤسسات تقديم خدمات نقل البريد الدرجة الأولي، وبذلت محاولات عديدة سعياً وراء إلغاء تلك القوانين بحيث تتمكن الشركات الخاصة من الدخول للمنافسة للخدمة البريدية الحكومية، ولكن جميع تلك المحاولات كانت تصطدم باحتجاجات عنيفة من قبل اتحادات موظفي البريد، ومن مديري خدمات البريد التنفيذيين، ومن المجتمعات الريفية التي تعتقد بأنها ستُحرم من الخدمات البريدية.
.
ورغم كل ما يقال عن الاختلال الهيكلي للمؤسسات البريدية بالبلدان النامية وبكل ما تعانيه من خسائر مالية وقصور إداري لا يمكنها من مسايرة التقدم الهائل في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، فان التخوف من نظام العولمة الاقتصادي التي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بثالوثه المؤسس: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والذي يهدف إلى تكريس قيم الغرب وتنمية الحياة الاقتصادية وفقاً لمبادئها وقيمها لتحقيق غاية نهائية ووحيدة تتمثل في أحكام السيطرة على البلدان النامية والفقيرة لمزيد من الهيمنة ونهب ثرواتها الطبيعية ولضمان مزيد من الترف وارتفاع معيشة شعوبها ولو على حساب باقي الدول، يجعلنا نشد على عضد تلك البلدان النامية وهي قادمة على مؤتمر البريد العالمي/ جنيف 2008 لكي لا تنساق لخصخصة خدماتها البريدية بحجة التطوير والتحديث ومواكبة التكنولوجيا على حساب تقديم الخدمات البريدية لمواطنها العادي، الذي سوف قد يحرم حتى من حق التراسل البريدي في ظل ما يلاقيه الاتحاد البريدي العالمي من ضغوط النظام العالمي الجديد...
.
وللحديث بقية ..

الأحد، 4 مايو 2008

طوابع الهولوكوست والمعايير المزدوجة



في بادرة مشتركة، أصدرت منظمة الأمم المتحدة وإسرائيل، طابع بريدي لتخليد ذكري المحرقة اليهودية "الهولوكوست"، وذلك في يوم الذكري العالمي لتخليد المحرقة 27 يناير 2008، حيث أعلنته المنظمة الدولية عام 2005 يوماً عالمياً لأحياء ذكري ضحايا الهولوكوست، والذي يصادف ذكري تحرير معسكرات الموت النازية في أوروبا عام 1945 وقد تم الاحتفال بإصدار الطابع بمركز الأمم المتحدة بنيويورك، وتصميم الطابع تكتسيه القسوة الممثلة بالإسلاك الشائكة واللــون الأسود، ينبـثق منها الأمل بالزهور البيضاء والعــود الأخضر، وقد دون على وجه الطابع اقتباسات من أقوال الأمين العام للأمم المتحـدة بان كـي مــون "إنكـار الحقائق التاريخـية، ولاسيما بالنسبة إلى موضـوع هـام مثل المحـرقة، أمـر غير مقبول على الإطلاق، خاصة إذا كانت الدعـوة إلى تدمير أي دولة أو أمة"... سوف يسوق للطابع بعـدة أشكال وأحجام ببعض البلـدان التي بها مقرات للأمم المتحدة وهي نيـويورك وجنيف وفيـينا وإسرائيل http://www.un.org/holocaustremembrance/stamp08.shtml
.
و"الهولوكوست" أو الكارثة والتي تعني بالعبرية شؤآة، تطلق على الإبادة الجماعية والتصفية العرقية التي حلت بالشعب اليهودي إبان الحكم النازي في أوروبا في الفترة من ديسمبر١٩٣٣ عندما أصبح هتلر مستشاراً لألمانيا وحتى مايو ١٩٤٥، وهي كلمة يونانية الأصل holókauston وتعني الحرق الكامل للقرابين المقدمة لخالق الكون، أو تعني التدمير حرقاً، كما تشير بذلك الموسوعة البريطانية، ولكنها في الأصل مصطلحاً دينياً يهودياً ذكر في التوراة يشير إلى القربان الذي يُضحَّى به للرب ويُحرق حرقاً كاملاً غير منقوص على المذبح، حيث يعد من أكثر الطقوس قداسة عند اليهود، حيث يقدم تكفيراً عن خطيئة الكبرياء... وقد استعملت كلمة هولوكوست لأول مرة لوصف طريقة معاملة هتلر لليهود في عام 1942 ولكن الكلمة لم تلق انتشارا إلا مع بدايات السبعينيات، حيث أصبحت تستعمل حصريا لوصف حملات الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود تحديداً أثناء الحرب العالمية الثانية.
.
وعلى الرغم من اختلاف الآراء حول إثبات أو إنكار حقيقة الهولوكوست، فأن الثابت أن العديد من المؤرخين والكتاب الذين أثبتوا عدم حقيقة تلك المحرقة، أو ما وقع بها من تضخيم وتهويل لأقامة الدولة اليهودية، بدءاً من المحامي الأمريكي فرانسز باركر يوكي عام 1946 وحتى المؤرخ البريطاني ديفيد أرفنك عام 2006، حيث تلقوا المزيد من المضيقات أو السجن، بسبب تلك الآراء المناهضة للروايات اليهودية... إلا أن الحديث عن الهولوكوست ظهر مؤخراً بالمحافل الدولية وبطريقة علنية بعدما علق الرئيس الإيراني أحمدي نجاد "بأن الهولوكوست ما هو إلا أسطورة أستغلها الأوربيون لإقامة الدولة اليهودية في قلب العالم الإسلامي .. وأضاف إن الأوروبيين هم الذين ارتكبوا جرائم ضد اليهود، وعلى الولايات المتحدة أو كندا أن يمنحوا جزءا من أرضهم لتأسيس دولة لليهود، وتسأل لماذا يدفع الشعب الفلسطيني المقهور الثمن؟ أنتم من يجب أن يدفع الثمن ؟ ... وعلى الفور كانت ردة الفعل الغاضبة من الولايات المتحدة وأوروبا، ومجلس الأمن بأعضائه الخمسة عشر الدائمين والمؤقتين الذي دان تصريحات الرئيس الإيراني، وفي نوفمبر 2005 مررت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يرفض أي إنكار للهولوكوست كواقعة تاريخية على نحو شامل أو جزئي..
.
أما فلسطين التي تغتصب منذ عام 1922، وعشرات المذابح الجماعية التي وقعت بها،http://www.aljazeera.net/NR/exeres/2021433A-A609-4DEC-8B75-CAD94D3E6525.htm وانتهاك مساجدها وكنائسها على مشهد من العالم، فلا يتحرك له أحد، فمحارق اليهود وأفران الغاز المزعومة حرام وجريمة كبري لا يجوز إنكارها، بل يجب التذكير بها بمدراسنا وجامعاتنا، حتى أصبحت ثقافة الهولوكوست ثقافة كونية لا يمكن ردها أو إنكارها، أما محارق دير ياسين وصبرا وشاتيلا وحصار غزة، فهي في عرف العالم المتحضر حلال ويمثل دفاعاً شرعياً عن النفس.
.
ازدواجية نشعر بها صامتين، تزيدنا جراحاً وألماً فوق جراحنا، لا تظهر إلا إذا كان العرب أحد أطرافها، رغم كثرتهم العددية وثرواتهم الطبيعية الضخمة، فليس من حق العرب امتلاك التكنولوجيا النووية، وليس من حقهم إنشاء سوق اقتصادية مشتركة، وليس من حقهم حتى التعبير عن رفضهم الإساءة إلى رسولهم الكريم صلي الله عليه وسلم، بحجة حرية التعبير... وتتعدي تلك الازدواجية حتى في المجال الرياضي، ونتذكر جميعاً واقعة اللاعب الغاني جون باستيل الذي رفع علم إسرائيل أثناء مباراة غانا والتشيك بكأس العالم بألمانيا عام 2006 فرحاً بفوز بلاده، رغم عدم مشاركة إسرائيل، مقارنة بلاعبنا الخلوق محمد أبو تريكة وما تعرض له من هجوم من الصحافة الإسرائيلية والأوروبية والأمريكية وما لاقاه من تهديدات وتحذيرات، لمجرد أنه أظهر تعاطفاً مع المحاصرين من أبناء غزة، والذي يتم معاقبتهم عقاباً جماعياً وقصرياً يتنافي مع جميع المواثيق والأعراف الدولية.
.
والواضح أن المشكلة ليست فيمن يفرضون هذه الازدواجية، بل فيمن يتقبلونها مبتسمين متعللين بالوضع الأقليمي والدولي !!.. وكلي ثقة وأمل في أن نعمل لتذكير العالم لأصدار طابع بريدي تصدره الأمم المتحدة يكون رمزاً لنضال الشعب الفلسطيني، يذكرنا دائماً بالهوية العربية والإسلامية لهذا البلد الجريح المغتصب، يذكرنا دائماً برفض هذه الازدواجية، يذكرنا ويذكر أبنائنا حتى ولو من خلال طابع !!
.
وللحديث بقية أن شاء الله ...

الاثنين، 28 أبريل 2008

الطوابع السياسية ..



طوابع البريد هي تاريخ الأمة، الماضي والحاضر، أحداثها واحتفالاتها، مؤتمراتها ومعارضها، أمجادها وثوراتها، علماؤها وكتابها وفنانوها، تاريخها وآثارها، محاصيلها وزهورها، طيورها وحيواناتها، أنهارها وبحارها، منتجعاتها ومحمياتها، متاحفها وتراثها، عاداتها وتقليدها... فهي سفير لكل أمة ورمز لحضارتها وتقدمها، تستخدم في ظاهرها للتخليص البريدي، وفي باطنها للترويج السياحي والتنشيط التجاري والاقتصادي...
.
بلدان عديدة أبدعت في طوابعها واستخدمتها لأغراض تجارية واقتصادية وثقافية، وخصصت لها المعارض والمنتديات، بيد أن بعض البلدان تحاول إقحام الطوابع البريدية بطريقة أو بأخرى للاستخدام السياسي، أو لأهداف سياسية، فقد صدر مؤخراً عن إدارة بريد إيران طابع يحمل صورة عماد مغنيه تكريما له، والطابع مزين بتوقيع قائد الثورة الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي، وعماد مغنية وهو لبناني الجنسية وشيعي المذهب، كان يشغل رئيس الجهاز الأمني لحزب الله وأشتهر بثعلب حزب الله أو بالحاج القاتل، كان على قائمة مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي كأبرز الإرهابيين المطلوبين، وعلى لائحة المطلوبين للعدالة بدول الاتحاد الأوروبي، وتوجه له قائمة طويلة من الاتهامات، وربط أسمه بعمليات عديدة وقعت بالبلدان العربية كتفجير مقر قوات المارينز بالخبر بالمملكة العربية السعودية عام 1996 وتفجير مقر مشاة البحرية الأمريكية ببيروت عام 1983، وقد اغتيل في حادث تفجير سيارة بدمشق في الثاني عشر من فبراير 2008، وتشير أصابع الاتهام بقتله للموساد الإسرائيلي ...
.
وقبل عدة سنوات أصدرت إدارة بريد إيران كذلك طوابع بريد عليها صورة الشهيد سيد قطب والملازم خالد الأسلامبولي قاتل الرئيس السادات، وهما مصريان، لمجـرد النكاية السياسية للحكــومة المصــرية... فالشهيد سيد قطب، وهو الأديــب والشاعر صـاحب في ظــلال القــرآن، ملايين من الناس تعرفه، ولكن قلة منهم يعرفــون سيرته ومواقــفه ومؤلفــاته، أعـدم بعد محاكـمة عسكرية في 29/8/1966 لأفكاره وفلسفته الثورية المنسجمة مع طبيعة الثورة الإيرانية ضد الاستعمار والإمبريالية رغم مذهبه السني، والتي يعتقد بالخطأ أو عن سوء فهم أنها كانت سبباً رئيسياً لشيوع فكر التكفير وبذور جماعات الجهاد في مصر،
.
أما خالد الأسلامبولي فلا نعرف عنه إلا كونه ملازم بالجيش المصري، اعتنق فكر تنظيم الجهاد وكتابه "الفريضة الغائبة" وقتل الرئيس السادات مع مجموعة من زملائه يوم السادس من أكتوبر عام 1981، وتم إعدامه بعد إدانته من خلال محاكمة عسكرية، ويعتبره الإيرانيون بطلاً لقتله الرئيس السادات، بسبب العلاقة التي كانت تربط الرئيس السادات بشاة إيران السابق، واستضافته له بمصر بعد قيام ثورة الخومينئ عام 1979. ومازال أسمه سبباً في تجميد العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإيران حتى الآن بسبب إطلاق إيران أسمه على الشارع الذي تقع فيه السفارة المصرية في طهران، وإصدار طوابع رسمية تحمل صوره وتخلد ذكراه .
.
أما إسرائيل وأمريكا فلها مواقف متباينة في هذا الشأن، فإدارة بريد إسرائيل أصدرت مؤخراً طابعاً يسئ للخطيب في الإسلام ويصوره على أنه مغني والمصلون يجلسون على كراسي يستمعون إليه ويلهون، بالإضافة إلى إصدار بطاقة بريدية تحمل نفس المعني، وهي سلسلة من سلاسل الازدراء الإسرائيلي الموجه للدين الإسلامي، واستفزازاً لمشاعر أمة الإسلام شعوباً وحكومات، مما دفع أحد أعضاء مجلس الشعب المصري بتقديم استجواباً يطالب فيه باعتذار السفير الإسرائيلي وسحب تلك الطوابع وإحراقها، حيث قامت وزارة الخارجية المصرية في حينه بطلب استدعاء للسفير الإسرائيلي للاعتذار ... كما أن إدارة بريد إسرائيل إصدرت طابع بريد يحمل صورة الملك حسين ملك الأردن لتخليد ذكراه، وهي المرة الأولي التي تظهر فيها صورة زعيم عربي على طابع إسرائيلي، الأمر الذي يدعو للفرقة والتجاذب السياسي بالشارع العربي بشأن مواقف الملك حسين وعلاقته مع الدولة العبرية .
.
أما إدارة بريد أمريكا فتظهر حضارتها ، حيث أصدرت طابع إسلامي بمناسبة عيد الفطر المبارك، مما أثار انتباه المحللين السياسيين ورجال الصحافة، بتعزيز الاعتقاد بتغير السياسية الأمريكية تجاه المسلمين بعد أحداث سبتمبر 2001 لكسب مزيد من التأييد السياسي والإعلامي من البلدان الإسلامية للحملة التي تقودها ضد ما يسمي على الإرهاب...
.
وفي جميع الأحوال، فأن استخدام الطوابع البريدية سواء بالسلب أو الإيجاب لأغراض سياسية قد يفتح الباب لمزيد من المشاكل، خاصة مع سرعة انتشار وتداول تلك الطوابع بين البلدان، كما أن المادة الثامنة من اتفاقية البريد العالمية/ بوخارست 2004 تحدد وجوب أن تكون تلك الطوابع متماشية مع روح ديباجة دستور الاتحاد البريدي العالمي ومع القرارات المتخذة من قبل أجهزة الاتحاد، وأن تكون على صلة وثيقة بالهوية الثقافية للبلد أو الأقليم الذي تخضع له إدارة الإصدار، أو تساهم في نشر الثقافة أوالحفاظ على السلام، كما ينبغي أن تتجنب مواضيع وتصاميم تلك الطوابع الطبيعة المؤذيةً لشعور شخص ما أو بلد ما... الأمر الذي يدعونا ونحن بصدد بدء اجتماعات مؤتمر البريد العالمي بجنيف في يوليو 2008 لطرح ضرورة تفعيل نصوص الاتفاقية البريدية الدولية واتخاذ الإجراءات الملائمة لمنع إصدار طوابع بريدية لأغراض سياسية أو ذات مضمون يمس الأديان ...
.
وللحديث بقية أن شاء الله ...

الأربعاء، 23 أبريل 2008

البريد في العصر النبوي ..



فسر الأمام الرازي في مختار الصحاح معني البريد فقال "البريد الشئ المرتب أو الثابت، يقال حمل فلان على البريد"، وذكر في القاموس المحيط بأنه الشئ المرتب أو الرسول، وأطلق كذلك على المسافة بين سكنتين وهي أربعة فراسخ أو أثني عشر ميلاً، وأضاف العلامة الكتاني بالتراتيب الإدارية بأن العرب أطلقوه على المسافة التي بين محطة وأخري من محطات البريد، ثم أطلق على حامل الرسائل، وتوسعوا فيه الآن فأطلقوه على أكياس البريد ..
.
وقد ذكر المقريزي في الخطط أن كلمة بريد أصلها فارسي من "بريد ذنب" لأن الملك "دارا" هو أول من ابتكر نظاماً للبريد، واقام له دواباً محذوفة الأذناب والذيول لتميزها عن غيرها من الدواب الأخري، ثم عربت وحذف العرب نصفها الأخير واقتصرت على كلمة "بريد" .. ومنها قول امرئ القيس:
على كل مقصوص الذنابي معاود .. .. بريد السري بالليل من خيل بربرا
.
وقد كان البريد معروفاً عند العرب في الجاهلية، حيث استعملوا الخيل والبغال في نقل بريدهم، فيورد آدم ميتز في كتابه تاريخ الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري مانصه "إن الروم كانوا يستعملون الخيل والبغال في حمل البريد، وكذلك كان الحال عند ملوك العرب في الجاهلية" وكان يستخدم في العادة لنقل بريد الدولة والتجسس على أعمال الولاة ونقل الأخبار للملوك والأمراء.
.
وعلى الرغم من أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من أنشأ الدواوين ومنها ديوان البريد، وأقام لها دوراً بمختلف الولايات، كدار البريد بالكوفة التي ورد ذكرها بصحيح الأمام البخاري بأن أبا موسي الأشعري أمير الكوفة صلي بتلك الدار، وكان أبو موسي أميرا على الكوفة في زمن عمر وعثمان... إلا أن كتب السنة والسيرة تخبرنا كذلك بأهتمام النبي صلي الله عليه وسلم بأمور البريد واختيار مسؤوليه وكتابه ووسائل نقله آخذاً بالصفات الشخصية والخلقية لهذه المهمة.. حيث اختار عبد الله بن أبي بكر لهذه المهمة وآخرين، ذلك أن مهمة البريد كانت آنذاك تعني حمل لرسالة الإسلام للشعوب ونقل الأخبار إلى مركز الدعوة في المدينة، وهو ما سوف نستعرض بعض نماذجه :

رسائل الرسول صلي الله عليه وسلم للملوك والأمراء العرب

من أشهر البُرُد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تلكم الرسائل التي بعث بها إلى الأباطرة والأكاسرة والملوك، الذين كانوا يعتلون عروش الحكم في الدول المحيطة بالجزيرة، داعياً إياهم للدخول في دين الله الحنيف، كما لا يمكن إغفال الرسائل والرسل التي بعث بها صلى الله عليه وسلم إلى القبائل في الجزيرة العربية حاثاً إياها على اعتناق الإسلام، إذاً يمكن القول بأن عهد الرسول الأمين شهد استخدام البريد الداخلي والبريد الخارجي، فقد ذكر في صحيح البخاري، أن النبي صلي الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتاب إليه مع دحية بن خليفة الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصري ليدفعه إلى هرقل قيصر الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسري ملك فارس، وكذلك نجد في سيرة ابن هشام أنه بعث عمرو بن أمية الصمري إلى نجاشي الحبشة، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية، وعمرو بن العاص السهمي إلى جيفر وعياذ ابني الجلندي ملكي عمان، وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي ملك البحرين (تخريج الدلالات السمعية للأمام التلسماني ، ص 184).
كما ذكر البخاري والترمذي، أنه لما اراد النبي صلي الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم، فقيل له: إنهم لن يقدروا كتابك إذا لم يكن مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضه ونقشه "محمد رسول الله"، وكان لا يستغني عن الختم به على رسائله إلى البلدان وأجوبة العمال وقواد السرايا، فكان بذلك أول من استخدم ختم الكتاب من قريش وأهل الحجاز (التراتيب الإدارية للأمام الكتاني، ص 177).

الاختيارالدقيق للقائمين على البريد والحرص على سلامتهم

فقد كان من صفات رسله صلي الله عليه وسلم أن يكونوا ممن تتوفر فيهم وفور العقل وطلاقة اللسان وقوة الحجة والبيان، ويدعو لحسن اختيار رجل البريد، فقد ورد في فيض القدير شرح الجامع الصغير أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال "إذا أبردتم إلي بريداً فاجعلوه حسن الوجه، حسن الاسم" أي إذا ارسلتم اليّ رسولاً‏ فتخيروا الحسن الشكل والخلق وكذلك الأسم لكي تنجذب اليه القلوب، ونتفائل بحسن صورته واسمه، حيث كان صلي الله عليه وسلم يشتد عليه الأسم القبيح ويكرهه.
وفي سنن أبي داود نجد قوله صلي الله عليه وسلم "إنّي لا أخِيسُ بالعَهد ولا أحْبسُ البُرْد" فالبرد جمع بريد وهو الرسول، أي أنه لا يحبس الرسل الواردين إليه للدلالة على تقدير القائمين على تلك المهنة، وما يتمتعون به من حصانة تمكنهم من تبليغ رسائلهم .

الاستفادة من المسافات البريدية لمعرفة بعض الأحكام الفقهية

حيث استخدمت المسافة البريدية في الاستدلال على كثير من الأحكام الفقهية، ففي صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "لا تسافر امرأة بريداً إلا ومعها ذو محرم" وقوله صلي الله عليه وسلم "لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة برد" حيث استدل بمسافة البريد المحددة بأربعة فراسخ أو أثني عشر ميلاً على النهي عن سفر المرأة دون محرم، وعلى مشروعية القصر في الصلاة للمسافر.
وروي أبو داود في سننه حديث عدي ابن زيد قال "حمي رسول الله صلي الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريداً بريداً، لا يخبط شجره ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل" أي حدد حرم المدينة من صيد واعتداء وخلافه.
وقد عثر مؤخراً بالمملكة العربية السعودية على عدد من الأحجار الميلية المنقوش عليها المسافة بقياس البريد، حيث تشير هذه الأحجار للمسافة البريدية التي توضع على رأس كل محطة بريد وتقسم المسافة بين أول وآخر محطة بأثني عشر ميلاً، والتي استفاد منها الحجاج وغيرهم من المسافرين عبر مئات السنين.
.
كل هذه الشواهد تدل على أن البريد وأن كان لم يستخدم بما هو معروف لدينا الآن، إلا أن الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم، قد عرفه واستخدمه في ألفاظه ومراسلاته لدعوة الملوك وأمراء الجزيرة العربية، واستخدم عماله وكتابه ووسائل نقله، وأهتم بحسن اختيار القائمين عليه وتأمين حياتهم وتقدير دورهم ...
.
وللحديث بقية أن شاء الله ...