الأربعاء، 13 يناير 2010

البريد المصري بين وزيرين !!..

.
أكثر الناس تفائلاً لم يكن ليتوقع أن يأتي الدكتور/ أحمد نظيف رئيساً للوزراء بحكم منصبه السابق كوزير للاتصالات والمعلومات بوزارة الدكتور/ عاطف عبيد، فقد جري العرف خلال السنوات الخمسين السابقة على خلاف ذلك، ولم يكن أكثرهم تفائلاً كذلك أن يدوم استمراره رئيساً للوزارء خلال طوال تلك الفترة، والتي اعتادنا فيها أن تكون عمر الوزارة ثلاث سنوات أو أربعة على الأكثر، مع وجود بعض الاستثناءات بالطبع كوزارة الدكتور/ عاطف صدقي.

الحال كذلك بالنسبة للبريد المصري، فأكثر المتفائلين لم يكن ليتوقع أن يخرج من تحت لوائه وزيراً واحداً، فخرج لنا حتى الآن وزيرين، الأول الدكتور/ علي مصيلحي الذي أصبح وزيراً للتضامن الاجتماعي بعد أن ترأس مجلس إدارة البريد المصري في 11/10/2002 وحتى نهــاية ديسمبر 2005، والثاني المهندس/ عــلاء فهمي الذي أصـبح وزيــرا للنقــل في 3/1/2010 بعد أن ترأس مجلس إدارة البريد المصــري في 2/2/2006.

وبالتأكيد وبأنني أحد أبناء البريد المصري وأعمل فيه منذ قرابة الربع قرن، وعاصرت رؤساء مجالس إدارات عدة وتعاملت معهم بالطريق المباشر والغير مباشر، أشعر بشئ من الفخر والاعتزاز لوجود قيادات ارتقت بالعمل البريدي بدرجة أنها حققت انجازات لافتة لترتقي إلى كرسي احدي الوزارات بالدولة، والذي هو بمثابة حلم لكثير من أساتذة الجامعة ورجال السياسة وكبار قادة الجيش.

ماجعلني أشير لتلك المفارقة رسالة تسلمتها منذ عدة أيام من أحد الأصدقاء، يسألني مستفهماً، لماذا البريد الذي أنجب تلك القيادات؟!.. وهل البريد المصري أصبح مؤهلاً لاستنساخ العديد من القيادات التنفيذيين والوزراء في المستقبل أم أن الوزيرين المشار إليهما لهما من الشخصية والذكاء والحنكة السياسية والاجتماعية ماجعلهما يرتقيا بنفسيهما إلى مناصب تنفيذية أعلي؟!..

توقفت كثيراً قبل الإجابة لكي لا أخضع نفسي بالافتخار بالبريد المصري لمجرد أنني أنتمي إليه، فالبريد منذ عهد مديره الأول موتسي بك منذ انتقاله تحت مظلة الإدارة المصرية وحتى ترأس المهندس/ أحمد الصولي لمجلس إدارته قبل قدوم الدكتور علي مصيلحي في عام 2002 لم يحدث فيه أن ارتقي أحد رؤساء مجالس إدارته ليصبح وزيراً، بإستثناء سابا باشا الذي أصبح وزيراً للمالية عام 1910، فمعظم من ترأسه ممن ارتقي بهم السلم الوظيفي من داخل البريد، أو من كبار الإداريين التنفيذيين بالدولة، وجميعهم تقاعدوا فور وصولهم السن القانوني دون ضجيج أو زخم على خلاف ما حدث حين ترأس الدكتور/ علي مصيلحي أو المهندس/ علاء فهمي لمجلس إدارة البريد المصري والذي صاحبه تطوير وتحديث لبنيته الأساسية والفكرية، وأصبح في ظل المهندس/ علاء فهمي نموذج يحتذا به لباقي هيئات الدولة ومرافقها على حد ماأوضحه الدكتور/ عبد المنعم سعيد، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، بمقاله تحت عنوان ساعي البريد وتحولات اجتماعية مهمة‏!!..‏ بصحيفة الأهرام، العدد 44835 بتاريخ 7/9/2009 ...

إذن الاستقراء يؤيد أنه لكي تصبح وزيراً لا يكفي أن تترأس مجلس إدارة البريد المصري، رغم الأهمية والهالة الإعلامية التي ظهرت فجأة في إظهار أهمية البريد المصري كمرفق هام بالدولة، ومؤسسة ذات دور أساسي مالياً واجتماعياً، ولكن لكي تصبح وزيرا يجب أن تمتلك تلك القواسم المشتركة التي تمتع بها كلا الوزيرين، فالترقي والارتقاء لمنصب الوزارة لم يكن باعتقادي إلا نتيجة لأسباب ثلاثة هامة: أولها: أنهما يتمتعان بالمهارة الشخصية والإدارية والحنكة السياسية جعلهما عضوان بارزان بلجنة السياسات، التي يترأسها السيد/ جمال مبارك، والثاني: قربهما المميز من الدكتور/ أحمد نظيف، حيث خرجا من رحم وزارة الاتصالات والمعلومات، ومن الطبيعي أن الرجل يعرفهما ويعرف قدرتهما جيداً، والثالث: أنهما قادمان من المؤسسة العسكرية التي يتمتع أصحابها بالثقة والالتزام والقدرة على إنجاز العمل، هذه هي السمات والقواسم الثلاثة المؤهلة لكي تصبح وزيرا، ولا دخل للبريد المصري ولا فضل له في ذلك وأن ظل بوابة مناسبة بإمكانياته الواسعة وأمواله الطائلة وانتشاره المؤثر...

فالبريد المصري من الواضح أنه لا يوجد به قيادات إدارية بداخله، أو عباقره تشد قاطرته، فنهضته الحالية تحققت خلال السنوات السابقة على يد كل من الدكتور/ علي مصيلحي والمهندس/ علاء فهمي، وممن قدموا معهما من نواب ومستشارين وقيادات مالية وإدارية، ولا دخل للعاملين والموظفين لهذه النهضة، فالتحولات التي طرأت على السوق البريدي محلياً ودولياً خلال تلك السنوات، وإدارة أمواله الطائلة لم يكن باستطاعة موظفي هذا المرفق الهام إدارته ودفعه لمسايرة تلك التطورارت بعد فترة إنغلاق طويلة بدون معرفة لفنون الإدارة الحديثة والتطوير المميكن وتجاذبات السوق والشراكة الاستثمارية، والذين تسرب وطار حلمهم مع الوقت ليكونوا نواباً أو رؤساء قطاعات بتلك المؤسسة العريقة، ليصبح حلم أكثرهم تفائلاً بأن يكون مدير إدارة أو وكيل مكتب بريد...

والذي أخشي ما أخشاه أن يقوم المهندس/ علاء فهمي في سبيله لتطوير وزارة النقل ومرافقها التي يعرف مشاكلها الداني والقاصي أن يقوم بسحب العديد من مساعديه ومستشاريه ممن عملوا معه بالبريد المصري لتطوير وسائل النقل والسكة الحديد للعمل معه بوزارة النقل، فيفقد البريد المصري ميزته وتقدمه الذي لمسناه خلال السنوات السابقة، ولا نجد من يدفع تطوره وازدهاره !!..
.
وللحديث بقية ...

الاثنين، 23 نوفمبر 2009

صديقي البريدي !!..

.
صديقي البريدي، جزائري الجنسية، كل ما يربطني به رسائل إلكترونية واتصالات هاتفية، فهو يعيش خارج حدود وطنه، وأنا كذلك، لم نتقابل حتى يومنا هذا... صديقي الجزائري يعمل في الحقل البريدي منذ زمن مثلي، مهتم بقضايا البريد وتاريخه وبكل ما يحيط به من هموم ومشاكل، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالإدارات البريدية العربية وتطور عملها وتنمية مهارات العاملين فيها، وتقدمها التقني وتعاونها البناء.

هذه الصداقة - إن أجازها لي في التعبير- أجدها في كلماته الرقيقة عبر رسائله الإلكترونية واهتمامه بما أكتبه بتلك المدونة المتواضعة، والتي تعني بالبريد وتاريخه وقضاياه، أجدها في حديثه عبر الهاتف كلما سنحت له أو لي الفرصة للاتصال المباشر عبر الهاتف... صداقة جعلتني أتخيل ملامحه العربية، رسمات وجهه، بشاشته، مشاعره الصادقة من كلماته المهذبة وعباراته المتناسقة وحديثه الدافئ، وتشجيعه المتواصل باهتمامه باخباري وكتاباتي.

وسبب الحديث عن تلك الصداقة المصرية الجزائرية البريدية، هو ما وقع من أحداث خلال وعقب مباراتي كرة القدم التي جمعت مصر والجزائر في تصفيات كأس العالم 2010 والتي أقيمت يومي 14، 18/11/2009، وأنتهت بصعود الفريق الجزائري ليمثل العرب في تلك التصفيات، والمزمع إقامتها في جنوب إفريقيا العام القادم... هذه الأحداث التي نأسف لها ونتبرئ منها لها دلالاتها العميقة وما ندعيه من عروبة تجمعنا وإسلام يضمنا، إدعاءات يشحنها بعض الجهال والمنتفعين والمتأمرين، إدعاءات جعلتنا لانعرف حتى نتفق على ما بيننا من خلاف لترميمه... ولك أن تتخيل حجم الهوة السحيقة بين ما كنا عليه في الماضي وما نحن فيه الآن من خيبة أمل وضعف وشعوبية تمقتها وحدة الدين واللغة والمصير...

هذه الهوة التي جعلت من مصر تتخبط بين نعرات جوفاء كفراً بالعروبة والإسلام، وما جنته من كونها الشقيقة الكبري وما خاضته من حروب نيابة عن العرب والمسلمين في وجه الاستعمار والصهيونية... والتي جعلت من الجزائر بلد المليون ونصف مليون شهيد في حالة إخاء وتناغم مع المستعمر الفرنسي وكأن دماء هؤلاء الشهداء قد جف... سرعان ما تحولنا إلى مصر الفرعونية، والجزائر الفرانكوفونية، لاعبون مصريون أبناء الفراعنة، مقابل لاعبون جزائريون يتحدثون اللغة الفرنسية ولا يتكلمون اللغة العربية... عصبية وقبلية وشعوبية أودت بأمم فأصبحت حضارات مفقودة !!.

هذ الهوة جعلتني أحزن أكثر مما أنا فيه من حزن، على بلدينا من تخلف وتأخر وفقر يصيب كبد المصريين والجزائريين معاً... أحزن على الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، كما حزنت على الرئيس هواري بومدين، أحزن على الأستاذ الأمام محمد عبده كما حزنت على الأمام عبد الحميد باديس، أحزن على الشيخ محمد الغزالي، كما حزنت على الشيخ مالك بن نبي... هذا الحزن تضاعف عندما أردت إلقاء نظرة على موقع مؤسسة البريد الجزائري http://www.poste.dz/ والذي وجدته باللغة الفرنسية فقط، شأنه في ذلك شأن البريد المغربي http://www.bam.net.ma/ والبريد التونسي http://www.poste.tn/ ، وكأن تلك الإدارات تتنصل من كل ما هو عربي أو يتصل بالعروبة...

رحم الله هؤلاء الزعماء والعلماء، ورحم الله العروبة والإسلام، ونسأل الله أن نظل أنا وصديقي البريدي أصدقاء ما حيينا حتى وإن لم نلتقي !!..

وللحديث بقية إن شاء الله ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

خيل وبغال وحمير البريد !!..


من الحقـائق التاريخـية الهامة التي لا يمكن إغفـالها أنه كما أن البريد استفاد من تطـور وسائل النقل على مر العصـور، فأن وسائل النقل تلك ما كانت أن تتطور بهذا الشكل لولا الحاجة الملحة للبريد، فبمجرد ظهور وسيلة جديدة من وسائل النقل لا يكتفي البريد باستخدمها والاهتمام بها، إنما يساهم في تحسينها وتطورها.

فكلمة بريد كما ذكر المقريزي في كتابه الخطط أصلها فارسي من بريد ذنب، لأن الملك دارا هو أول من ابتكر نظاما للبريد، واقام له دواباً محذوف الأذناب والذيول لتميزها عن غيرها من الدواب الآخري، ثم عربت وحذف العرب نصفها الأخير واقتصرت على كلمة بريد... هذه الدواب اختلفت باختلاف العصور والاستخدامات، وارتبطت بالبريد لكونه وسيلة هامة للاتصالات عبر تلك العصور، كما أن تلك الدواب التي نشير إليها خصها الله في قوله تعالي في سورة النحل "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ".

فــأول هـذه الـدواب الخيـــل، وسمـيت خـيــــلا لاخـتــيــالها في المشــية، ولأنـهـا مـوســومـة بالعـــز، فمـن ركبــها اختــال بهــا على أعـــدائه، والفـرس قبــــل خمســمائة ســنة من الميــلاد، هـم أول من استـخـــدمها لتبلـــيـغ الأخبــار والأنبــاء، فكــان قيـروس الأكـــبر (558–528) قبل الميلاد أراد أن يكون على اتصال دائم بحكام أقاليم مملكته، فحسب بنفسه المسافات التي يستطيع أي فارس أن يقطعها في يوم واحد، وأمر بإنشاء مرابط للخيل يبعد الواحد منها عن الآخر مسافة يوم سفر، وعندما يصل الرسول إلى محطة ما حاملا معه رسالة عاجلة يخلفه زميل له مجهز بمطية جديدة... وفي اليونان القديمة استخدم الرومان الحصان والعربة بصفة منتظمة لنقل البريد، فكان البريد الرسمي المسمي "البريد الإمبراطوري" يستخدم مركبات ضخمة الحجم بأربعة عجلات ويجرها مجموعة من الخيول والبغال، وكانت تتوفر للبريد الروماني في عمليات النقل السريع عربات ذات عجلتين تسمي "سيزيا "تقطع نحو 80 كيلومتر في عشر ساعات، وكان بعض رسل البريد يتكلفون في نفس الوقت بنقل عدد كبير من الرسائل بعمليات تبادل أثناء الطريق ويحملون ردود تلك الرسائل أثناء عودتهم.

أما العرب، فيذكر ابن الكلبي في كتابه أنساب الخيل أن إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام أول من ركب الخيل من العرب، فكان اهتمامهم بالخيل عظيماً، وقد شرفها الله بأن اقسم بها في قوله تعالي "والعاديات ضبحا"، كما خصها الرسول صلي الله عليه وسلم بأن في نواصيها الخير لما كانت أصل الحروب وأوزارها وبها يجال في ميادين القتال، وجعل الله تربيتها ورباطها أمر من قوة المسلمين ومنعتهم في قوله تعالي "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ" ... والأحاديث الواردة في فضل رباط الخيل وتربيتها كثيرة، إلا أن المعلوم أن العرب استخدموا الإبل والبغال بصورة أكثر إيضاحاً في نقل بريدهم، فيذكر الأستاذ يوسف أحمد الشبرواي في كتابه القيم "الاتصالات والمواصلات في الحضارة الإسلامية" أنه عندما نظم الملك عبد الملك بن مروان الدواوين وعربها أدخل نظام البريد لربط العاصمة بالولايات والأمصار بالاعتماد على الجمال والخيل والبغال لنقل الرسائل السريعة إلى الأمصار والقادة معتمداً على محطات تستقبل الرسل وتستبدل بالجمال والخيول التعبة بأخري مرتاحة لمواصلة السير السريع دون توقف، وافرد جزء هاما من كتابه عن الجمل وصفاته وملائمته للبيئة العربية لكونه أرخص وسيلة للنقل وأكثرها تحملاً لصعوبة الصحاري والطرق الوعرة.

أما البغل فهو حيوان أليف هجين ينتج عن تزواج أنثي الخيل مع ذكر الحمار، أما الحيوان الذي ينتج عن ذكر الخيل وأنثي الحمار فيسمي النغل... والبغل حيوان معمر، قليل التعرض للأمراض، ويضرب به المثل في العقم، وكذلك لمن يفتخر بشئ لغيره، فمن الأمثال الشائعة أنه قيل للبغل من أبوك؟ قال الفرس خالي!!... والبغل يمتاز ببصره الحاد وقوته العضلية، وقدرته على تحمل حرارة الطقس، لذا يقوم بأعمال شاقة يعجز عنها الحصان، فكان يستخدم لمساعدة الجيوش في نقل المؤن والمعدات الثقيلة في المناطق الجبلية ذات الطرق الوعرة، كما أنها ذكية على الرغم من طبعها العنيد في بعض الأحيان بسبب سوء القسوة في معاملتها، فمن المؤكد أنها أذكي من الخيل، فلو أن أنثي الخيل تمتعت بما يكفي من الذكاء والعقل لما سمحت لحمار بمواقعتها... ويذكر أن الجاحظ خصص باباً في كتابه البغال تحت عنوان "باب ذكر الإنتفاع بالبغال في البريد"، وذلك بعد ما أبدع في صفاته الجسمانية والعقلية، وأورد قصصاً ونوادر وأبيات من الشعر تدل على استخدام العرب للبغال في نقل البريد.

أما الحمار فهو حيوان مستأنس من الجنس الذي يتنمي إليه الحصان، العائلة الخيلية، ويشبه شكله العام شكل الحصان، ولكن يبدو أنه حظه عاثر دائما، فالحمار رغم ما يشاع عنه بغباءه وعناده، فأنه بالتجارب العملية أثبت أنه ذكياً، حذراً، حميمياً، متعلماً، متحمساً، يصعب إرغامه أو تهديده على فعل شئ ضد رغبته، يحفظ الطريق الذي يسير فيه ولديه قدرة عالية على التحمل، وقد أستعمل الحمار من الآلف السنين في الحروب لنقل المعدات والذخائر...

وللحمار نوادر وقصص وحكايات يصعب حصرها، فمن حمار جحا الأكثر شهرة لنوادره الساخرة، لحمار الحكيم، لحمار الكاتب الساخر محمود السعدني... والحمار قد يكون أسعد حظاً باهتمام العرب بحكاياته ونوادره... كما أنه ذكر في القرآن في عدة مواضع للتشبيه، فشبه صوته بأنكر الأصوات في سورة لقمان، كما وصف اليهود الذين يعلمون ولا يعملون بالحمار الذي يحمل أسفارا تبكيتاً لهم وتحقيراً في سورة الجمعة، كما ضرب الله به المثل على الحياة والموت في قصة النبي عزير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، في سورة البقرة، وكذا نجد في الرسومات المسيحية غالباً ما صور السيد المسيح وهو يركب حماراً... أما حمار البريد، فيبدو أنه كان أكثر حظاً، فقد أستخدم بصورة واسعة في نقل البريد في القري والنجوع، حتى أنه حكي لي ذات مرة أنه كان يصرف له بدل تغذية (عليق)!!.. فقد استطاع بذكائه وفطنته أن يحصل على حقوقه كاملة قبل القيام بإداء عمله !!..

هكذا نجد أن الخيل والبغال والحمير، والتي ذكرها الله في كتابه العزيز، كانت من أهم وسائل نقل البريد عبر العصور القديمة حيث سيرها الله للركوب والنقل والزينة، واليوم حلت محلها الطائرات والقطارات والسيارات بكل ما فيها من قسوة وقوة وسرعة، ولكن تلك السرعة والقوة لم تمنع الإنسان في يوم قط من استخدام وسائل النقل الأولية، التي مازالت رغم بطئها أكثر أمناً وأكثر حفاظاً على البيئة...

وللحديث بقية أن شاء الله ..

Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الأحد، 8 نوفمبر 2009

إضراب البريد البريطاني !!..


البريد الملكي البريطاني من أعرق المؤسسات البريدية على المستوي الدولي، وله السبق في العديد من الابتكارات البريدية وتطوير وتحديث الأعمال البريدية... فمنذ أن أنشئ بأمر من الملك هنري الثامن في عام 1516م لتسليم رسائل البلاط الملكي إلى مختلف أجهزة الدولة، ثم تعميمه ليصير متاحاً للجمهور في عام 1635م، إلى أن تم استعمال أول طابع بريد تم طباعته في انجلترا والمسمي بيني بلاك عام 1840م لتحصيل الأجرة من المرسل منه... هذه العراقة والتاريخ الطويل إضاعته حكومة العمال الحالية برئاسة جوردون بروان وحكومة سلفه توني بلير.

فالبريد الملكي البريطاني الذي يعمل فيه نحو 141 ألف عامل، يستخدمون نحو 30 ألف شاحنة و33 ألف دراجة، يقومون بتوزيع أكثر من 75 مليون رسالة وطرد يومياً على أكثر من 28 مليون عنوان في شتي أنحاء المملكة المتحدة، مروراً عبر 113 ألف صندوق بريد و14300 مكتب بريد و70 مركز حركة و8 مراكز توزيع إقليمية و3 الآف مكتب تسليم... هذا الحجم الهائل من الأعمال يدر على الخزانة البريطانية أكثر من 14 مليار دولار سنوياً رغم ما تعانيه قطاعات البريد عموماً من تطور قطاع الاتصالات وانتشار استخدام الانترنت والبريد الإلكتروني في السنوات الأخيرة.

فمنذ عشر أعوام تقريباً والبريد الملكي البريطاني يحقق خسائر فادحة، تلك الخسائر بلغت ذروتها عام 2001 بنحو 1ر1 مليار جنية استرليني، وعلى أثرها تم إلغاء نحو 17 ألف وظيفة، حسب ما أوردته صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 14/6/2002، هذه الخسائر تعود بالأساس للسماح للعديد من الشركات الخاصة في دخول سوق البريد البريطاني بطريقة متدرجة حتى أصبحت تلك الشركات تعمل بصورة قانونية اعتباراً من أول يناير 2006م، وبذلك فقد البريد الملكي البريطاني حقه الاحتكاري الذي تمتع به على مدي 250 عاماً، وأصبح سوق البريد مفتوح للجميع... كما أن إنصراف البريد الملكي البريطاني عن أعماله الأساسية المكلف بها وفقاً للقانون بتقديم الخدمات البريدية للمواطنين، بالدخول في أعمال أخري كاليانصيب والمضاربات وغيرها، بالإضافة إلى سياسة إدارته الليبرالية الممزوجة بأفكار الخصخصة، والتي تدعو عموماً إلى تقليص دور الدولة برفع قبضتها عن كافة ما تقدمه من خدمات للمواطنين، والتفرغ لوضع السياسات والاستراتيجيات العامة أدي كل هذا لمزيد من الخسائر، وصولاً بتلك المشكلات المعقدة بينها وبين العاملين بها.

وهذا الإضراب الأخير والذي يعد ثاني أكبر إضراب، لم يكن الإضراب الأول الذي ينظمه عمال البريد الملكي، حيث سبق لهم القيام بالعديد من الإضرابات منذ عام 2003 بسبب إصرار حكومة حزب المحافظين في السابق على تخصيص جزء من البريد الحكومي وبيعه تدريجياً بحجة تحقيقه لخسائر مالية بسبب المنافسة الشديدة الذي يواجها من الشركات الخاصة، والتي تقدم الخدمة بصورة أفضل، إلا أن الغريب في الأمر أن يقوم حزب العمال بقيادة توني بلير ومن بعده جوردون بروان بإعادة المحاولة وتكرارها رغم أنه يفترض أنها حكومة عمالية تعمل لصالح العمال!!..

والسبب الرئيسي لهذا الإضراب الأخير ما أعلنه رئيس الوزراء البريطاني جوردون بروان بتاريخ 13/10/2009 عن عزمه طرح للبيع أصول حكومية بقيمة 16 مليار جنية استرليني (4ر25 مليار دولار) بما فيها خط القطارات الواصل بين بريطانيا وفرنسا، ونحو30% من البريد الملكي البريطاني، وذلك بهدف خفض الديون الناجمة عن الأزمة الاقتصادية الحالية، مما أثار مخاوف العاملين بالقطاع البريدي بمزيــد من الاستغــناء عن الوظائف، خاصة إذا ما عرف أن المشتري قد يكون شركة T.N.T أو DHL ، حيث بــدأ الإضــراب لمــدة يومــين في جميــع انحــاء البــلاد اعتبــاراً من يوم 22/10/2009 وذلك طبقاً لما نقلته وكالة رويترز بقيام نحو 42 ألف عامل وسائق في مراكز البريد بالإضراب، وسيتبعهم 78 ألفا من العاملين في جمع وتسليم البريد في خطوة من المتوقع أن تتسبب في تعطيل حاد لعمليات تسليم البريد، وعلق ديف وورد نائب الأمين العام للنقابة لتلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية بي.بي.سي بقوله: «إنهم لا يطورون الخدمة.. إنهم يخططون لخفض أعداد كبيرة من الوظائف.. ما نريده هو فرصة لتسوية الأمر.. لا نريد إلحاق الأضرار بعملائنا.. ليس لدينا بديل».

عمال البريد في بريطانيا يدافعون عن حقهم في تحسين أجورهم والحفاظ على مزايا التأمين بعد التقاعد، يدافعون عن حيـاة كريمة آمنة تحميهم من أخطار إلغاء الوظائف وإحالتهم للتقاعد، يأملون أن تتاح لهم الفرصة لمنافسة تلك الشركات الأجنبية الخاصة بمزيد من التدريب والتطوير والعمل الجاد، بعكس ما تفعله الإدارة الحالية في السعي لتوظيف نحو 30 ألف عامل موسمي لمواجهة الإضراب، عمال البريد في بريطانيا يتسألون هل التطوير والتحديث يعني الاستغناء عن خدماتهم ؟!.. يعني خفض أجورهم ومخصصات التأمين بعد التقاعد ؟!.. هل التطوير يعني توجيه أعمال مؤسساتهم إلى مهام غير مهام الخدمات البريدية والسماح للشركات الأجنبية بالإستيلاء على السوق البريدي في بلادهم ؟!..

ما يثــير الانـتــباه وأعجـبـني بشــدة وجعـلني أحـيي بعــض نــواب حــزب العمــال ما ذكــرته صحــيفة انــدبنـدانت أون صنـدي بتـاريـخ 25/10/2009 أن نحو 120 نائب من حزب العمال البريطاني يقفون ضد مشروع خصخصة جزء من البريد الملكي البريطاني، وسوف يصوتون بحجب الثقة عن زعيم حزبهم جوردون بروان مع نواب حزب المحافظين إذا ما تم مناقشة الموضوع بالبرلمان... ويذكر أن أحدث استطلاعات للرأي أظهرت أن حكومة حزب العمال انخفضت شعبيته إلى أدني مستوي لها منذ بدء تسجيل تلك الإستطلاعات، حيث وصلت إلى 23% وهو أسوأ معـدل له منـذ بـدء الإستـطلاعـات الرسـمية في عـام 1943... فهل سيـكون إضـراب عمال البريد الملكي البريطـاني القشة التي تقصـم ظهـر البعـير ؟!..

وللحديث بقية أن شاء الله ...

Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الأحد، 4 أكتوبر 2009

ابن الارندلي البريدي !!..


في كل عام من شهر رمضان المبارك يتجلي علينا الفنان المبدع يحيي الفخراني بفكرة جديدة، وحكاية شيقة بثوب كوميدي وبواقعية إنسانية تظل محل جدل ونقاش سواء بين المثقفين أو العوام من الناس... فالعام الماضي قدم شرف فتح الباب باخلاقياته المثالية وبأبوته الحانية والتي اضطرته الظروف القاسية وضغوط خصخصة شركات القطاع العام وبيعها أن يستحل المال العام عن جهل بالقوانين وبالتفسيرات والتأويلات الخاطئة لمعالم الدين وتشريعاته... واستلهمتني القصة بمقارنتها بواقعة حقيقية حدثت بالبريد المصري عام 1994 فكتبت شرف فتح الباب البريدي بتلك المدونة المتواضعة خلال شهر سبتمبر من العام الماضي .
.
أما هذا العام، فالقصة مختلفة والفكرة واقعية وتحدث بكثرة حتى نستطيع أن نجزم أننا في زمن أولاد الارندلي وليس ابن الارندلي... ويقال أن لفظ الارندلي يطلق على الشخص المحير الفهلوي الحلنجي، ذا القدرة على إقناع الآخرين بما يريد، وقيل أنها كلمة مصدرها جماعة من الناس أطلق عليهم القرندلية وهم فاقدوا المروءة، كما جاء في كتاب المروءة وخوارمها للشيخ أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سليمان، ص 248، وهناك من يشير بأن لها أصل تاريخي من فرقة صوفية تسمي الارندلية كانت تخفي باطنها عن ظاهرها... والتفسير الأول أوفي لما قدمه الفنان يحيي الفخراني ببراعة، فهو يجسد شخصية المحامي، رجل القانون الذي يعرف مداخله ومخارجه، نصوصه وتأويلاته، مخابئه ودهاليزه، ومن خلال فاكهة طريفة لاسترجاع ما يعتقد أنه حقه الشرعي من أرث عمه مستغلا معرفته بالقانون وحيلته وذكائه بغية تحقيق مراده.

فابن الارندلي قد يكون محامياً كما جاء بالمسلسل وقد يكون طبيباً أو مهندساً أو محاسباً، فهو رجل يمارس حياته العملية بمعرفة القانون ولوائحه، وما ينفك أن يطوع هذا القانون وتأويلاته لرغباته ومساعيه المشروعة والغير مشروعة... هذه الحالة كثرت في هذا الزمان، فنحن عباقرة في سن القوانين واللوائح، وأيضاً عباقرة في الالتفاف حول نصوصها وخرق كل ما هو قانوني... ومع فارق الشبه بين ما أرويه عن ابن الارندلي البريدي وبين ابن الارندلي بالمسلسل الفكاهي، إلا أنني أجد تشابهاً عميقاً في شخصية كل منهما، في هواية ممارسة الالتفاف حول القانون ونصوصه وتأويله وتفسيره بما يخدم الأهواء، دون النظر للمثل والقيم والأخلاق، ودون مراعاة لحقوق الغير أو المال العام.

ففي خلال النصف الثاني من التسعينات، وللظروف الاقتصادية العامة وتخفيضاً للانفاق الحكومي فقد أصدر السيد رئيس الوزراء المصري قراراً بمنع شراء أجهزة التكييف والاثاثات بالجهات الحكومية بكافة أنواعها وأشكالها إلا بعد أخذ موافقته، حيث تلاحظ ارتفاع بند الإنفاق على شراء تلك الاثاثات وأجهزة التكييف بكافة الوزارات والوحدات الاقتصادية التابعة للدولة... وهنا يطل علينا ابن الارندلي البريدي، بمعرفته التامة بالنظام المحاسبي الموحد وبالمحاسبة المالية الحكومية، وأبوابها وبنودها المختلفة، ودهاليز وخبايا نصوصها، ومناقلات بنود ميزانياتها، بفكرتين عبقريتين للالتفاف على قرار السيد رئيس الوزراء، الفكرة الأولي: كان الغرض منها شراء بعض أجهزة التكييف لعدد من موظفي الإدارة العليا، وذلك بشراء عدد من أجهزة الحاسب الآلي وبوضعها بمكاتب كل منهم، ومنطقياً لابد من تجهيز تلك المكاتب بالاثاث وبالتبريد الملائم حتى لا تصاب أجهزة الحاسب الآلي بخلل أو أي أعطال، رغم عدم تشغليها على الإطلاق في تلك الفترة، وكما علمنا الارندلي الأعظم الممثل نجيب الريحاني بمقولته الشهيرة: شئ لزوم الشئ... ولأننا في زمن التطوير والتحديث والحكومة الإلكترونية، فلا مجال للمناقشة أمام شراء أجهزة الحاسب الآلي، وبذلك تحقق الغرض المنشود بانقاذ موظفي الإدارة العليا من حر ولهيب حرارة الصيف والرطوبة الموحشة دون مخالفة قرار السيد رئيس الوزراء، وأن تضاعف الانفاق بشراء أجهزة حاسب آلي وأجهزة التكييف اللازمة لتبريده !!.. والفكرة الثانية: كان الغرض منها إنشاء ورشة للنجارة والحدادة تسمح بتصنيع مكاتب ومقاعد وغيرها من أثاثات، فشراء الخشب الخام وأدوات النجارة والحدادة وباقي مستلزمات التصنيع لا تندرج تحت بند الاثاثات بالميزانية والتي منعها قرار رئيس الوزراء، وعليه قامت تلك الورش بتقطيع الأخشاب وتصنيعها، ولكن كان على ما يبدو أن التصنيع كان بدائياً ولا يرتقي لأي معيار من معاير الجودة، وبتكاليف فاقت أسعار شراءها من مصانعها المتخصصة !!..

فابن الارندلي البريدي كله مهارة وشطارة وفهلوة وذكاء، يلعب بالبيضة والحجر، أقصد بالقانون ولوائحه، فهو يدرك نصوصه ويدرك كيفية التعامل معها والالتفاف عليها وتحقيق رغباته ومصالحه ورضاء رؤسائه، بخلاف شرف فتح الباب البريدي الذي تم إيداعه السجن لقيامه بالسرقة والتزوير، فلم يكن الأخير يملك المهارة ولا الشطارة ولا الذكاء بالقدر الذي أوقعه في شر أعماله، وكله على حساب المال العام !!..
.
وللحديث بقية ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الاثنين، 28 سبتمبر 2009

الاستعمار والطوابع البريدية ..


سنوات عديدة مرت على رحيل الاستعمار عن بلادنا العربية، والحديث عن الاستعمار التقليدي أصبح ضرب من ضروب التاريخ، اللهم إلا إذا ذكرت فلسطين بعد ستون عـاماً من النكبة وبكل ما تعـانيه الآن من الاحتــلال الصهـيوني...
.
فالاستعمار خرج بجنوده وعتاده وسلاحه، ولكنه لم يخرج من عقولنا ودمائنا، خرج شكلاً وفي الموضوع كلمات كثيرة يجب أن تقال... خاصة إذا ما تعلق الأمر بحضارة تلك الأمة وهويتها وتاريخها الثقافي، وبكل ما يتعلق بمكوناتها ونظرتها المستقبلية، خرج وقد غرس بذور ثقافته الغربية البغيضة التي ما لبثت أن أينعت، كما قال الجنرال الفرنسي شارل ديجول وهو يغادر الجزائر عام 1962 تحت ضغط الثورة الجزائرية لقد تركت بذوراً ستينع بعد حين.

فالاستعمار منذ القدم أدرك تمام الإدراك أنه سوف يخرج بجنوده وعتاده من بلادنا العربية عاجلاً أم آجلا، أدرك هذا منذ أن وطئت أقدامه النجسة غاصباً ناهباً لثرواته، أن هذه الشعوب آبية في ذاتها وحضارتها العريقة ولا تقبل الأجنبي ليكون والياً عليها محدداً لمصيرها وراسماً لسياستها ومستقبلها، أدرك هذه المعاني لما لاقاه من مقاومة وعدم الانسياق وراء مخططاته الاستعمارية.

والبريد كجزء مكون لهذه الحضارة وسجلا لتراث وتاريخ تلك الأمة، فقد عمد إليه المستعمر الغاصب منذ الوهلة الأولي وبشتي الطرق على محو جذوره وطمس هويته وتغيير معالمه، فمن يتطرق للموقع الإلكتروني لبريد الدولة العبرية يجد تلك الديباجة الخاصة بالطوابع البريدية كمقدمة للاعتزاز والافتخار http://www.israelpost.co.il/newmail.nsf/SiteContent/stamp2ar?OpenDocument&l=ar&mo=3
... في يوم الجمعة الموافق 14 ايار 1948، تم الاعلان عن استقلال دولة اسرائيل، وخلال أقل من ثمان وأربعين ساعة بعد اعلان الاستقلال، صباح يوم الاحد، عندما بدأت طيارات العدو بشن هجوم، اصدرت الدولة الجديدة أول طوابع بريد لها، وسبق دخول دولة اسرائيل الى عالم الطوابع تحضيرات حثيثة بدأت سرا لأسابيع ما قبل يوم اعلان قيام الدولة، ففي شهر نيسان 1948 أوقف البريطانيون الذين اوشكوا على التنازل عن الانتداب الذي كان لهم على فلسطين، كل خدمات البريد. المؤسسات اليهودية بدأت بتحضيرات لطباعة طوابع للدولة التي ستقوم. المشاكل كانت كثيرة، ورق لطباعة الطوابع لم يكن متوفرا تقريبا، لم تتواجد مطابع مناسبة وماكينات للثقوب، القرار حول اسم الدولة الجديدة لم يحسم بعد، هل سيطلق عليها اسم يهودا، أو ارتس يسرائيل او اسرائيل ؟ وفي النهاية تقرر أن يسجل على الطوابع بريد عبري. بالرغم من كل الصعوبات، تم إصدار طوابع البريد العبري المشهورة والمطلوبة، فورا بعد اعلان الاستقلال وتم بيعها في جميع فروع البريد في البلاد.

وما فعله الكيان الصهيوني قبل وبعد نكبة 1948 كان استمرارا لما فعله المستعمر الأوروبي بالتحالف والتنسيق للمؤامرة الكبري، فمجرد دخول القوات البريطانية الغازية فلسطين عام 1917بقيادة الجنرال اللنبي توقفت طوابع الدولة العثمانية المستخدمة نهائياً، وأصدرت قوات الاحتلال طوابع لاستعمالها الخاصة عرفت بالطوابع الزرقاء، وفي عام 1919 طالبت الحركة اليهودية بعد مؤتمر الصلح في باريس بوضح فلسطين تحت الانتداب البريطاني التي سارعت في إصدار طوابع موشحة بكلمة فلسطين باللغات العربية (8 مليمترات) والانجليزية (14 مليمتر) والعبرية (15 مليمتر) على أن يتبع الاسم العبري الحرفان أ إ اختصارا لكلمتي أرض إسرائيل تطبيقاً رمزياً لوعد بلفور.

والحال لم يكن يختلف كثيرا بالبلدان العربية الأخري، فنجد على سبيل المثال صور لأمراء وملوك انجلترا على الطوابع القديمة لإمارة رأس الخيمة وعجمان والفجيرة، رغم أن تلك الإمارات عربية الأصل والتاريخ، وعندما احتلت القوات البريطانية الموصل عام 1918 تم توشيح الطوابع العثمانية بعبارة (البريد – البعثة الهندية) ثم ما لبثت القوات البريطانية من إصدار14 طابعاً ختمت بعبارة (العراق تحت الاحتلال البريطاني) وطبعت عليها القيمة بالآنة والروبية الهندية. وفي الكويت استخدمت الطوابع الهندية بعد عام 1915 والتي كانت تحمل صور الملك إدوارد السابع والملك جورج الخامس. وفي سوريا فقد عمدت القوات الفرنسية فور الاحتلال عام 1919 بإصدار مجموعة طوابع فرنسية مختوم عليها T.E.O ، اختصار للعبارة الفرنسية التي تعني (اراضي العدو المحتلة). أما الجزائر فقد خضع البريد فيه للادارة الفرنسية التي اصدرت طوابع بصور حيوانات وطيور تنبع من البيئة الفرنسية وختمت عليها كلمة الجزائر بوصفها جزء من الجمهورية الفرنسية، أما الطوابع الليبية فقد تم توشيحها بصور الزعماء النازيين هتلر وموسوليني، وأيضا نجد طوابع الصحراء الغربية التي تم ختمها باسم جمهورية أسبانيا وعليها صور الجنرال فرانكو، وهناك طوابع للقوات البريطاني في مصر...

كان هذا زمن الاحتلال القديم، أما الآن فاحتلال اليوم ليس كاحتلال الأمس، لا يعنيه الطابع وصورته، فالتاريخ قد زور والأحداث قد زيفت والبلدان قد غيبت... فهو احتلال من نوع جديد، نوع يضرب ويلاقي، نوع يدق على الهدف دون أن نشعر به أو بنتائجه، فقد يكون احتلالا ذا تأثير بالمحافل والمؤتمرات الدولية، وقد يكون بالتشجيع على اختيار القائمين على العملية البريدية ببعض البلدان النامية بطريقة أو أخري، وقد يكون بمساعدة فريق عمل بإدارة بريدية بحوافز مالية وأدبية تحت ستار المعونات الفنية والتقنية... احتلال يحقق أغراض ما عجز عنه الاستعمار القديم إينعت بذوره الآن كما أراد الجنرال ديجول !! ...
.
وللحديث بقية ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2009

البريد وسنينه !!..


يعتبر الكتاب التذكاري تاريخ البريد في مصر، الذي كتبه حضرتا إبراهيم جرجس أفندي رئيس قلم المحفوظـات وعمرعبد العزيز أمين أفندي الموظـف بالإدارة العامة بمناسبة انعقاد مؤتمر البريد العالمي العاشر بالقاهرة في فبراير 1934 من أبرز ما كتب في تاريخ البريد سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، فهو يشير إلى تاريخ البريد من أول وثيقة جاء بها ذكر البريد حوالي عام 2000 ق.م حتى تاريخ انعقاد المؤتمر بالقاهرة عام 1934م، مروراً بدولة البطالمة والرومان، ثم عهود الخلافة الإسلامية المتعاقبة على مصر... أبرز ما يحتويه هذا الكتاب النادر الصور النادرة والمعلومات الموثقة والأرقام الدقيقة والرسومات البيانية الرائعة، كما لفت انتبائي ما ورد فيه من رفض الخديوي إسماعيل أن تتولي شركة أجنبية هذا الجانب الحيوي من مصالح مصر المحروسة، حيث أمر بشراء شركة البوستة الأوروبية بأي ثمن وقبل انقضاء عقد امتيازها بثماني سنوات، وتابعه في خطاه الملك فؤاد الأول، الذي أعلن في خطاب له بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية عام 1931م بأن الحكومة المصرية توصلت إلى إلغاء مكتبي البريد الفرنسي بالإسكندرية وبورسعيد وهما آخر المكاتب الأجنبية التي تعمل داخل القطر المصري كشهادة جديدة على نجاح مصلحة البريد في إداء دورها الوطني تحت إدارة أبنائها الوطنيين، التي عملت دائماً على الاحتفاظ بما لهذه المصلحة من السمعة الطيبة.
( والله ناس كانت بتفهم !!...)

نعمان أفندي أنطوان، من موظفي مصلحة البريد وصاحب كتاب الطائر الغريد في وصف البريد الصادر عام 1890م، أورد خطبة لأحد مديري مصلحة البريد المصري لمجموعة من الموظفين الجدد أوائل القرن الماضي، أعجبني منها فقرتين:
يقول في الفقرة الأولي: اعلموا أنكم لاتخدمون مصلحة، بل البلاد وأهلها، فان خدام البريد هم خدام الأمة الامناء المحافظون علي أمانتها، فمن يخدم البريد بأمانة لايعدم جوائزه، ولايخشي أنصرام حبل نواتله منه، لان البريد ليس من المصالح الوقتية بل من المصالح المؤسسة علي صخرة، فهو دائم مع دوام العالم، وأعلموا أن عيون العالم رقيبة علي أعمالكم وألسنتهم تنطق عليكم في كل آن بالرضا أو السخط بحسب ماتستحقون.
وفي الفقرة الثانية: افتخر بأن أقول لكم أني قبل أن أصل الي هذه الدرجة فقد تنقلت في أكثر وظائف البريد فكنت كعسكري بلغ درجة جنرال تدريجا ولم يكن لي معين علي ارتقائي بعد المولي الا اعتنائي وإتقاني العمل بالوظائف الحقيرة كالعظيمة، فلا توقفوا همكم عند حدود درجتكم بل افسحوا الامل للمعالي ولايعترينكم ملل في طلابها فأنه لابد لكل مرفق من التعب ولابد دون الشهد من أبر النحل، واعلموا أن ليس في طريقكم أقل عثرة تؤخركم عن نيل الآمال الحسنة فأنتم في عصر التمدن وأبناء بلاد الحرية وخدمة مصلحة أمينة حريصة علي العدل والمساواة.
(ولا تعليق !!..)

عشرات الأفلام والروايات التي لعب فيها ساعي البريد دوراً محورياً في تحريك صورته العامة، فنجد أفلاماً تناولته بطريقة هزلية أو احتفائية أو وظيفية أو كحيلة درامية، فنجده محورياً في فيلم لن أعترف للمخرج الراحل كمال الشيخ، وكذلك في فيلم قلبي على ولدي للمخرج جمال مدكور، ونري في فيلم الراجل ده هيجنني للمخرج عيسي كرامة ذلك الزوج الساذج عطية (فؤاد المهندس) الذي ينتظر زوجته أمينة (شويكار) ما يقرب من عشرين عاما بحجة أنها خرجت تشتري طابع بوسطة، كما أن مبني البوسطة في ميدان العتبة كان محوراً لأحداث كوميدية هزلية في فيلم العتبة الخضراء، بعدما أوهم النصاب (أحمد مظهر) الريفي البسيط (إسماعيل يس) لشراء العتبة بكل مبانيها ومن بينها مبني البوسطة، ناهيك عن العديد من الأفلام العربية والأجنبية الأخري التي تناولت ساعي البريد، كان أبرزها من الناحية الفنية والتقنية فيلم البوسطجي للراحل شكري سرحان عن قصة الكاتب الكبير يحيي حقي، وفيلم ساعي البريد الذي حصل على عدة جوائز أوسكار للممثل والمخرج كيفن كوستنر... أما أبرزها سخرية ما ورد في فيلم الفتوة للمخرج الراحل صلاح أبو سيف، حيث يظهر الصعيدي الساذج هريدي (فريد شوقي) الذي لا يجيد التعامل مع صندوق توفير البريد فيضع مدخراته اليومية من نقود باسقاطها في صندوق إرسال الخطابات، ويظهره وهو يحاول بعد عدة أيام فتح الصندوق لأخذ مدخراته التي بالطبع ضاعت عليه !!...
(ولا عزاء للصعايدة !! ..)

على مر العصور نجد أن العاملين بالبريد لهم خصوصية وأصول مرعية يتقلدونها، ولتميزهم بنوع جامع بين اللياقة والمهابة، فكانت علامة البريد عند الرومان قطعة من البرونز بقدر الريال منقوش عليها أسم بوستة، وهو ما صار عليه البريد الفرنسي في عهد لويس الحادي عشر، فكانوا يلبسون ملابس خاصة كتب عليها بأحرف مزركشة بالقصب، إلى أن جاء نابليون بونابرت فأمر أن يتقلد رجال البريد نوعاً من السلاح الأبيض اللطيف كنوع من الوجاهة، وظلت تلك الأصول والعلامات بأشكال وأنواع مختلفة كالعلامات النحاسية المنقوش عليها أسم البريد أو أزرار السترة الظاهرة التي نقش عليها وغيرها... تقاليد وأعراف مفيدة اندثرت وضاعت حتى أصبحنا نحلم اليوم بأن يضع موظف البريد ولو بطاقة رسمية على صدره تمكنه من إداء عمله ويتعارف بها سواء داخل مبني البريد أو خارجه !!...

هل تتصور أن تقوم الدولة ببيع تاريخها في مزاد علني ؟!!..
نعم .. والقصة في الآتي :
بتاريخ 21 ديسمبر 1865م صدرت أول موافقة لوزارة المالية المصرية باصدار طوابع البريد احتكارا للحكومة المصرية، وكان من الطبيعي أن يشرف علي تصميم وطباعة تلك الطوابع المبكرة نفر ممن عادوا من بعثة الأبناء التي أرسلها محمد علي الكبير إلي فرنسا في يوليو 1826م والمكونة من أربعين طالبا لدراسة الصناعات والفنون، ومن بينها الرسم والحفر والطباعة والتي أشرف عليها المسيو جومار، والذين عادوا إلى مصر في عام 1830م، أو جيل من تلاميذهم، وربما تمت الطباعة في ذلك الوقت في المطابع الاميرية، أو في مطابع مصلحة المساحة، أو ربما طبعت في انجلترا كما كانت العملات الورقية تطبع هناك والتي بدأ اصدارها في مصر عام 1898م مع أنشاء البنك الاهلي المصري وحصوله علي امتياز إصدار النقد في البلاد لمدة خمسين عاما.
.
وكان طابع البريد المصري قد صدر بالتزامن مع العملة الورقية وبنفس الدقة في السمات والألوان، بحيث أنه إذا نظر إلي طابع البريد تحت عدسة مكبرة سيري بوضوح سمات مشتركة بينهما، حيث كان الحرص علي زيادة التعقيد في تفاصيل التصميمات وعدد الألوان ودقة الطباعة، لتجنب محاولات التزييف في طباعته، غير أن الطوابع عرفت صور الملوك في مصر قبل العملات الورقية، فأول عملة ورقية طبع عليها صورة ملك، كانت في عهد الملك فاروق الاول عام 1941م ، وفي عام 1952م ومع قيام ثورة يوليو تم رفع صورة الملك من العملة الورقية وحلت محلها صورة قناع الملك الفرعوني توت عنخ آمون، وتابعها رفع صور الإسرة المالكة من كافة إصدارات الطوابع البريدية.
.
وعندما لجأت الثورة إلي بيع ممتلكات الأسرة المالكة في مزاد كان الإعلان يتضمن المجموعة النادرة لطوابع البريد من المجموعة الملكية التي كان الملك فاروق حريصا علي جمعها بشغف كبير وقد أقيم لها مزاد خاص في 12 فبراير 1954م الموافق عيد ميلاد الملك المخلوع، وقد عقد المزاد بقصر القبة وتمت الدعوة له عالميا، كانت المجموعة من أندر المجموعات في العالم، وقد أوكل إلي نائب رئيس جمعية هواة الطوابع المصرية أمر الاشراف علي الجرد مع خبراء مصريين وأجانب، واقتضت المهمة خمسة شهور من العمل المتواصل، ويورد الدكتور ماجد فرج معلومات قيمة عن هذا المزاد في عدد يناير 2001م من مجلته المرموقة مصر المحروسة) الجزء الرابع ص76،82) ، حيث أورد أن الملك فاروق كان حريصا علي اقتناء التصميمات الأصلية لطوابع البريد وعدد من نسخ التجارب وبروفات الطباعة منذ عام 1925م، كما أن المجموعة تضم سجاجيد صغيرة نسجت علي شكل طوابع بريد مصرية.
.
أن ضياع هذا الكنز الكبير من مجموعة طوابع البريد الملكية خسارة كبيرة يفوقها خسارة تلك التصميمات الأصلية التي وضعها الفنانون لجميع الطوابع التي طبعت بمصر لمدة سبعة وعشرين سنة، ومعها بروفات الطباعة، اذ أن تلك المقتنيات تمثل مصدرا نادرا لتاريخ فنون التصميم والطباعة في مصر كان الأجدر أن يحتفظ بها في متحف خصوصي له أبعاده الثقافية والفنية والتعليمية لانظير له في البلاد. (نقلاً عن مجلة أخبار الأدب العدد 531 بتاريخ 14 سبتمبر 2003 م).
.
وللحديث بقية ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com