الأربعاء، 22 سبتمبر 2010

مقهي الشارع البريدي !!..


مبني البريد المصري بميدان العتبة، يعد أحد أبرز علامات تراث القرن التاسع عشر المعماري، وواحد من أربعمائة وعشرين مبني تزخر بهم مدينة القاهرة التي حلم بها الخديوي إسماعيل، والتي كان يطلق عليها "باريس الشرق"، هذا الحلم أصبح حقيقة بعد خمس سنوات من تكليفه للمهندس الفرنسي هاوسمان، لإبتكار طراز معماري جديد يجمع بين الشكلين الأوروبي والإسلامي. والمبني مساحته تبلغ 4460 مترمربع، ويتخذ شكل شبه منحرف، تحتل واجهته الرئيسية القاعدة الكبري، وهو مكون من طابقين، ويحمل أعلي واجهته الرئيسية قبة كبيرة، على رأسها ساعة، تماثلان قبة وساعة جامعة القاهرة. ويطل من جهة على مبني مطافي القاهرة، والجهة الأخري على شارع يعرف بشارع البيدق... هذا الشارع الذي أصبح الآن سوقاً تجارياً لتجارة أدوات الإنارة والكهرباء ويمتلئ بالباعة الجائلين، وعربات الفول والفلافل والكبده والكشري، وغيرها من المأكولات الشعبية، يحتضن كذلك مبني الطرود الذي أصبح مقراً للبريد السريع المصري، ومبني آخر لموظفي البريد يعرف بعمارة البيدق.
.
وشارع البيدق رغم ضيقه يحوي بين جانبيه ثلاث مقاهي، أصبحت مقصداً للعديد من العاملين بالبريد، سواء القادمين من محافظات الدلتا أو الصعيد لمقابلة أحد المسئولين أو التقدم لوظيفة ما أو لإنهاء بعض المعاملات المتعلقة بمنطقته البريدية، ومقصداً يومياً للعديد من العاملين بالإدارة العامة... ورغم أن منطقة العتبة أشتهرت منذ القرن السادس عشر بتلك المقاهي، عندما أدخل أبو بكر بن عبد الله المعروف بالعيدروس شرب القهوة إلى مصر فأحبها الناس وسموها مكاناً لتجمعهم لشربها واحتساء النرجيلة وسماع ما يحكيه الراوي من قصص شعبية وملاحم بطولية... وخلود بعض تلك المقاهي في ذاكرة التاريخ كقهوة متاتيا التي كان من أبرز روادها السيد جمال الدين الأفغاني والأمام محمد عبده وسعد زغلول وعباس محمود العقاد، ومقهي القزاز التي كانت مقراً لأهل الريف حينما يأتون إلى القاهرة لقضاء مصالحهم، أو مقهي التجارة التي تحتضن الفرق الموسيقية ورواد الموسيقي، ومقهي الكتبخانة التي كان من أبرز روادها الشاعر حافظ إبراهيم والشيخ عبد العزيز البشري، ومقهي المختلط نسبة للمحكمة المختلطة وروادها من المحامين وأصحاب القضايا، وغيرها من المقاهي الشهيرة المنتشرة الآن بالقاهرة كمقهي الفيشاوي ومقهي ريش وقشتمر وعرابي وبعرة وغيرها... إلا أن تلك المقاهي الثلاثة بشارع البيدق أصبحت خلال فترة وجيزة المطبخ الخلفي للعديد من التراتيب المتعلقة بالعمل بالبريد المصري... فكلما مررت على تلك المقاهي الثلاثة صباحاً أو بالظهيرة أو بعدها تجد العديد من العاملين بالبريد المصري، خاصة ممن يشغلون مناصب قيادية أو ممن كانوا يشغلون مناصب قيادية وبلغوا سن المعاش، ومازال لهم تأثير أدبي ومعنوي على مجريات العمل داخل الإدارات البريدية...
.
دائماً ما كنت أشاهد بعض تلك الشخصيات البريدية تجلس ضمن حشد من مرؤسيها، يستمعون إليه ويتأمرون بأوامره وهو قابضاً يدخن الشيشة، وكأنها علامة من علامات القيادة... ولأنني لست من محبي تلك الجلسات، وغير مبالاً بحكاوي القهاوي، فقد كنت أسير سريعاً بحيث لا ينتبه أحد لمروري، حتى أتي ذلك اليوم الذي رأني أحد المديرين الكبار وأراد أن يلقني درساً بريدياً خاصاً، وقد تعاملت معه في عدة مواقف في العمل أغضبته في بعض الأحيان وساعدني أحياناً في حل بعض المشاكل التي أبتليت بها خلال عملي... بيننا احترام متبادل، مع فارق السن والخبرة التي أكتسبها عبر أربعين عاماً بالعمل في البريد المصري حتى وصل لتلك المرتبة الوظيفية العليا.
.
أراد أن ينصحني ويعلمني ويرشدني، وقد شارف على سن المعاش، وأعتقد أنه يكن لي بعض الأحترام والمحبة، ولكنه لم يستطع البوح بكل تلك المشاعر... سمعته يناديني من على تلك المقهي بصوت مرتفع، فتوجهت إليه على الفور وألقيت عليه التحية وسلمت علي الحضور ممن حوله وجلست لبضعة دقائق كانت ضرورية لسماع نصيحته البريدية ودرسه الذي تعلمه على مدار عمله المتدرج بالبريد المصري... حكى عن طريقة اختيار القيادات والمديرين بالبريد المصري، فقال إذا كان لدينا موظف لديه معرفة متقنة بالعمل وعنده من المهارة في إنجاز المهام التي يكلف بها، وعنده القدرة على تطوير وتحسين العمل بنسبة 90% ، ولكنه يناقش رؤسائه، ويختلف معهم، ولا ينفذ إلا صحيح ما يراه... وآخر لا يجيد العمل ولا يعرف إلا ظاهره وغير مكترث بتطويره وتقدمه إلا بنسبة 10%، ولكنه حريص كل الحرص لإرضاء رؤسائه داخل وخارج نطاق العمل، ينفذ ما يطلب منه دون تفكير أو تردد... فمن تختار ؟!... على الفور كانت الأجابة الثاني طبعاً، لأننا في البريد المصري!!... تفهمت مقصده على الفور، وما يصبو إليه من تلك الرواية، شربت كوباً من الشاي الساخن وانصرفت بعد أن ألقيت عليه التحية والدعاء له بالتوفيق ودوام الصحة، حيث شارف على بلوغ سن المعاش، وأراد أن ينصحني بتلك الكلمات، بغية اللحاق بالركب، ونيل الرضا من رؤسائي.
.
هذه وصيته الأخيرة لي وما أرادني أن أتعلمه وأتفهمه، بيد أن حكاية أخري أصبحت ذات تأثير أكبر وأقوي من وصيته، حكاية تشبعت بداخلي وأصبحت لا أستطيع الانفكاك منها، أخذتها نبراساً لحياتي، وأعلمها لأبنائي، ولا أخجل من التمسك بها، حكاية رجل يدعي إبراهيم بك شفتر، رئيس الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد، الذي استطاع بمهارة فائقة أن يرتب لإنعقاد أول معرض طوابع بريد دولي في القاهرة عام 1946، وقام بافتتاحه الملك فاروق، الذي أنعم عليه برتبة البكوية لأعجابه الشديد بمهارة ودقة هذا الرجل.. إلا أن إبراهيم بك شفتر كرئيس منتخب لتلك الجمعية رفض فيما بعد تسليم الملك مجموعة من الطوابع تم طباعتها بطريق الخطأ لصورة الأميرة فريال، وأصر على إعدامها استناداً إلى اللوائح والاتفاقيات الدولية، التي تسمح له كرئيس لجمعية هواة الطوابع بالإشراف على إعدام الطوابع التي تم طباعتها وتكون بها أخطاء مطبعية لأنها من الأمور التي تشين أي هيئة في العالم، متحدياً رغبة الملك فاروق في الاحتفاظ بتلك الطوابع النادرة والتي تم طباعتها وبها أخطاء كثيرة.. إلا أن هذا التحدي قابله غضب شديد من الملك فطلب من عبود باشا رئيس مجلس إدارة شركة السكر التي كان يعمل بها إبراهيم بك شفتر كأحد كبار موظفيها، أن يصدر أمراً بنقله للعمل في كوم أمبو في أقصي صعيد مصر، وبالتالي أجبر على تقديم استقالته من الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد، وتولي نائبه أحمد مظلوم باشا رئاسة الجمعية.
.
طبعـاً لم استطع ذكر تلـك الرواية أمـام الحضـور في ذلـك المقهي، رغـم إيمـاني وقنـاعتي بأن الإقـدار تتدخـل دائمـاً لرسم طـريق البشر، ولكن الإنسـان لن يكـون إنساناً مالم يرضـي ضمـيره وإنسـانيته، حتى لو ظــل موظفــاً بالبريـد المصـري بمكـتب بريـد كـوم أمبو!!...
.
وللحديث بقية أن شاء الله ...

الثلاثاء، 14 سبتمبر 2010

السياسة × البريد !!..


المقولة الشهيرة التي كان دائماً ما يرددها الرئيس الراحل أنور السادات "لاسياسة في الدين ولا دين في السياسة"، تحورت في تلك الأيام الصعبة بفعل فاعل، وأصبحت "السياسة تفسد الدين والدين يفسد السياسة"... وظني أن كلاهما باطل وأريد بهما باطل!!.. ذلك أن الدين الصحيح لا يفسد لا سياسة ولاغيرها، وإنما جاء الدين الحق ليصلح ما أفسده الساسة، وغيرهم من بني البشر، ولو كان الدين يفسد كما تزعم تلك المقولة ما بعث الله الأنبياء والرسل حاملين إياه لإفساد البشر، فإبليس كان وحده كفيلاً بتلك المهمة...
.
هذه المقدمة كانت ضرورية بعدما تلقيت رسالة من أحد الأصدقاء الذين يتابعون مدونتي "حوارات بريدية" يقول فيها أن آخر مقـالين بالمدونة غلب عليهما الطـابع السياسي، وأقحمتها في البريـد بشكل لافت، وأنه أراد أن يذكرني استنــاداً للمقــولة المشار إليها بأنه "لا سياسة في البريـد ولا بريـد في السياسة".... فكــان لزامــاً علي الإيضـاح.
.
في اعتقادي أن البريد حياة، أو جزء من تلك الحياة، بمشاكلها وتعقيداتها، بحلوها ومرها، بتنافسها وصراعات أهلها، فالبريد بمشاكله وهمومه وصراعات موظفيه وتنافسهم والتحامهم اليومي مع بقية البشر جزء من تلك الحياة، واستمراره يتطلب نوعا من التواصل الإنساني والتداخل والتدافع الاجتماعي... وهو شأنه شأن باقي الأنشطة، يتفاعل مع من حوله من بيئة مجتمعية مستقرة كانت أو غير مستقرة، يترجم واقع الحياة بواقعه الصغير الممتد ليس داخل بلادنا فحسب، بل داخل عشرات البلدان التي تنتمي لمنظومة الاتحاد البريدي العالمي. إلا أنه يمتازعن غيره بأنه متلاصق مع التاريخ، مدوناً له ومسجلا لفتراته وأزمانه، ولذلك نجد ثمة اهتمام غيرعادي وتداخل من الساسة ورجال الدولة في شئونه وإدارة دفته.
.
فالبريد المصري منذ إنشائه عام 1865 ارتبط بسياسة الدولة، حيث آثر الخديوي إسماعيل سياسة الاحتواء عند شراء الحكومة المصرية شركة البوستة الأوربية من صاحبها موتسي بك الإيطالي الجنسية، بتعيينه مديراً لها بغية إدارتها بالطريقة التي تخدم مصالح البلاد، فمعظم العاملين من الأجانب الأوروبيين، والإدارة تتطلب نوعاً من السياسة والحكمة، وتدريجياً وبإدخال العمالة المصرية، تم تكليف حسن باشا مظلوم كأول مصري يترأس هذا المرفق الهام عام 1923 ليكون مصرياً خالصاً ... كما ثمة مؤشراً آخر، حيث لعبت السياسة دوراً رئيسياً في إزاحة طلعت باشا حرب عن رئاسة بنك مصر في سبتمبر1939، حينما رضخ فؤاد حسيب مدير مصلحة البريد لأوامر وزير المالية حسين سري باشا بسحب ودائع صندوق توفير البريد من البنك استجابة للاحتلال البريطاني، مما أدي لتسارع آلاف المودعين بسحب أموالهم من البنك، وكان الشرط الوحيد لحل الأزمة هو أن يقوم طلعت حرب بتقديم استقالته، وهو ما تم بالفعل، فأعيدت الودائع مرة أخري.
.
أما بعد ثورة يوليو 1952 فقد تحولت هيئة البريد كباقي الهيئات والمرافق الحكومية، خاضعة لسياسة وحيدة، وهي سيطرة الصف الثاني والثالث من الضباط الأحرار، بتفضيل أهل الثقة على أهل الكفاءة، ومكافأة لهم على ما قاموا به من جهد خلال الثورة، فتغلغل ونفوذ ضباط الجيش في كافة الهيئات الحكومية والوزارات كان السمة الرئيسية لمرحلة ما بعد الثورة حتى أوائل السبعينات، وخاصة هيئة البريد التي استخدم طوابعها للدعاية السياسة بشكل كبير، فالطوابع المصرية تلونت بأحلام الثورة وشعاراتها وصارت تعبر عن مواقـف سياسية، كتأميم قناة السويس، وجلاء القوات البريطانية، والدفاع عن بورسعيد من العدوان الثلاثي، بالإضافة لإحياء ذكري الثورة العرابية وموقعة حطين وعين جالوت وغيرها من الانتصارات التي حققها العرب، فالسياسة مورست عبر الطوابع الرسمية لإلهاب روح الحماسة والانتصار علي الغرب... كما أن السيطرة على أموال صندوق التوفير بإلزام هيئة البريد بإيداع حصيلة التوفير في صندوق الاستثمار وفقاً للقانون رقم 45 لسنة 1966 كان قراراً سياسياً لتمويل خطة الدولة ومشروعاتها الاقتصادية.
.
أما حالياً فالسياسة في اشتباكها بالبريد بات أمراً ساطعاً سطوع الشمس، وإلا ما كان ليفرز لنا البريد المصري وزيرين متعاقبين يخرجان من رحمه، وماكانت عودة سياسة أهل الثقة بثوبها الجديد وبشكلها الإنفتاحي تغزو معاقل البريد المصري من جديد، وما وجدنا هذا الاهتمام البالغ باستثمار أموال مودعي صندوق التوفير فيما يخدم اتجاهات أصحاب الفكر الجديد، فكر المستقبل !!..
.
فالسياسة لعبت وتلعب دوراً بارزاً في توجيه البريد المصري منذ إنشائه حتى يومنا هذا، سياسة الحكومات تارة، وسياسة الأفراد تارة أخري، سياسة المحرك عن بعد، والمقطور دون رؤية القاطر...
.
وللحديث بقية إن شاء الله ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الجمعة، 3 سبتمبر 2010

بريد الحزب الوطني !!..


خلال النصف الثاني من التسعينات تردد أمامي بعض الكلمات عن مواظبة بعض قيادات البريد المصري على الذهاب للنادي السياسي للحزب الوطني، لم أستوعب وقتها مدي أهمية تلك المواظبة، فلم تكن من عادات تلك القيادات في السابق هذا الارتقاء الحزبي، والجنوح نحو السياسة بشكل علني، إلا بعد أن وعي أحدهم الدرس من سابقه الذي ترشح مستقلا لخوض انتخابات مجلس الشعب عام 1995 وفشل في دخول البرلمان لكونه ترشح مستقلا، رغم كثرة الخدمات التي قدمها لأهل دائرته بتشغيل وتعيين العشرات منهم بالبريد المصري، حينما كان يشغل رئاسته، مما عزا بخلفه، وبعد أن تعلم الدرس بالبقاء في رئاسة البريد المصري عاماً إضافية بعد بلوغه سن المعاش كسابقة أولي لم تحدث لأحد قبله.
.
هذه الإنباء والأخبار ذاع صيتها بشكل علني ودون مواربه، بكثرة تواجد كوادر جديدة نشطة من الحزب الوطني داخل أروقة البريد المصري، هذه الكوادر سرعان ما سطع نجمها، وبرزت بشكل أكثر تأثيراً بقدوم الدكتور علي مصيلحي ريئساً للبريد المصري أواخر عام 2002، والذي ظهر جلياً بحماسة العديد من العاملين من داخل البريد المصري أثناء الحملة الانتخابية له عام 2005 والتي ترشح فيها عن دائرة أبو كبير بمحافظة الشرقية، فالملصقات الدعائية والصور والمسيرات ومظاهرات التأييد والمناصرة وغيرها كان الشغل الشاغل للعديد منهم، قابله سخاء وعطاء وترقية من ناصره وأيده بعد تحقيقه فوزاً صعباً على منافسه الإخواني.
.
أمر طبيعي ومعتاد أن يمارس كل شخص حريته في تقدير موقفه السياسي والحزبي، ولكن الأمر الغير طبيعي تغلغل تلك السياسات داخل الهيئات التنفيذية للدولة بالصورة التي تخدم حزباً دون الآخر، وتخل بمبدأ تكافئ الفرص بين تلك الأحزاب... وما تظن إن كان الموقف ذاته تم لأحد أعضاء حزب الوفد أو حزب التجمع أو الإحرار ؟!.. ستتهم على الفور بالمعارض، والخارج على الشرعية والداعي للفتنة، والعمالة، وسوء الفهم والتقدير وغيرها، ولو كنت مديراً ستصبح موظفاً، ولوكنت موظفاً ستصبح ساعياً، ولوكنت ساعياً ستندم بقية عمرك على ما اقترفت لاختيارك السياسي.
.
أنا لست من أنصار المعارضة، ولا أنوي أن أكون معارضاَ ضمن تلك الأحزاب الهشة الورقية، وكذلك لست مع حزب لا يرعي مصالحي ومصالح زملائي البريديين والملايين من بني وطني... أنا لست مع أو ضد !!.. ما أريده وأتمناه للبريد المصري أن تسوده المساواة والعدالة، في التعيين والترقي، في المكافأت والحوافز، في المزايا والبدلات، مكافأة المجتهد وتشجعيه ومعاقبة المقصر وتوبيخه، عدالة في إتاحة الفرصة للمجتهد أن يجتهد، والمجد أن يتقدم ويجني ثمار جده، عدالة لا تفرق بيني وبين غيري لمجرد أرائي أو انتمائي الحزبي، عدالة تحمينا من شلة الطبالين والزمارين!!..
.
الموسم الانتخابي قد حضر، وحضرت معه عشرات ومئات طلبات أعضاء الحزب الوطني لتعيين أقاربهم وذويهم وأبناء دوائرهم بالبريد المصري وبقية الهيئات الحكومية الأخرى، والاحتجاج العارم لبعض نواب الحزب الوطني ضد الدكتور طارق كامل، وزير الاتصالات لوقف التعيين في الوزارة والشركات والهيئات التابعة لها بنظام المسابقات وقصر التعيين من خلال الطلبات التي يقدمها له النواب لذويهم نموذج لسياسات الفرقة والتشرذم الذي منيت به ثقافتنا السياسية (صحيفة الوفـد بتـاريخ 21/2/2010)... وظـني أيضـاً أن التكـريم الذي أقـامته أمـانة الحزب الوطـني بالقـاهرة للدكتـور أشرف زكـي، رئيس مجلس إدارة البريـد المصـري لم يخـرج عن السـياق ذاتـه (صحـيفة اليـوم السـابع 27/7/2010).
.
في اعتقادي أن المصالح الشخصية والفئوية أو الاتجاهات الحزبية لم تخدم البريد المصري على المدى البعيد، فالبريد المصري يحتاج إلى كفاءات مدربة تدريباً تقنياً وتكنولوجياً، كفاءات من نوع خاص لمواجهة طوفان الشركات الأجنبية والخاصة ومنافستها الشرسة في سوق بريدي واعد، البريد المصري يحتاج لمزيد من العدالة والشفافية في اختيار قياداته ومديريه، في تحقيق طموح وآمال أكثر من 50 ألف موظف يعملون بكل جهد لتقديم خدمات تمس حياة المواطنين في ظل ظروف صعبة، يحتاج لتظافر جهودهم بعيداً عن الاعتصامات والاحتجاجات والتي ما شبت خلال العام الماضي إلا نتيجة لتلك السياسات الحزبية والفئوية... كما أن الحزب الوطني لن يكون حزباً كبيراً باستئثار المال والسلطة واحتكار الوظائف القيادية بالدولة، لن يكون كبيرا بعدد محدود من أصحاب المصالح وطالبي الوظائف العليا والسائرون في ركابهم... بل سيكون أكبر بتحقيق العدالة والمساواة وبث روح العمل والاجتهاد بين أبناء الوطن الواحد...
.
وللحديث بقية إن شاء الله ....

الخميس، 26 أغسطس 2010

إخـوان البريــد !!..


في اعتقادي أن مسلسل " الجمـاعة " الذي يعرض حالياً لم يحقق النجاح أو الضجة الإعلامية التي أرادها مؤلفه وحيـد حـامد، ذلك أن الروايـات والأحـداث التي أوردهـا لم تكن بالصـورة الإيجـابية أو المحـايدة لسيرة الشيخ الأمـام حسن البنـا رحمه الله... فأقل ما يمكن أن يقـال عن الاتهامات بنشأته العنيفة، وبلاغته في التأثيرعلى الناس، وقبوله أموالاً من الخارج لتمويل دعوته من الأجانب والمملكة العربية السعودية، أو تطويعه لبعض نصوص الشريعة في سبيل إظهار دعوته، إتباعاً لمقولة الغاية تبرر الوسيلة، وغيرها من اتهامات، جميعها يضحضحها أمراً واحداًً، هو صدق دعوته وإخلاصه مع الله الذي جعل آلاف، بل الملايين في مصر والعالم الإسلامي وخاصة المتعلمين والمثقفين منهم من إنتهاج دعوته والسير على خطاه وتدوين رسائله وخطبه، رغم مرور ما يقرب من ستة عقود على وفاته وما تلاقيه دعوته من ملاحقات أمنية وتضليل إعلامي مستمر محلياً ودولياً.
.
بيد أن ثمة إنزعاج واضح بزعم من المؤلف بوجود الإخوان وانتشارهم في مجمل نواحي حياتنا، في الجيش والشرطة والهيئات الحكومية وحتى داخل الحزب الوطني ذاته، أمر مناصه الاستعداء وأخذ مزيد من الحذر واستنهاض الهمم تجاه هذا الفصيل، هذا الزعم أفصح عن سؤال يعنيني بحكم إنتمائي للبريد المصري ومهتم بشئونه وتاريخه وتطوره وأيضاً بسير رجاله وقياداته...هل كان في البريد المصري إخوان مسلمون قديماً؟!.. وهل يوجد الآن؟!..
.
أعتقد أن الإجابة لن تخرج عن كونها تحليلا لمجريات الأحداث، ولن تكون استنساخاً من مراجع أو تحقيقا لروايات أو شهادات... فثمة أسباب عدة منعت هؤلاء الإخوان من العمل في البريد المصري بصورة منظمة أو جماعية، شأنها في ذلك شأن معظم الوزارات والهيئات الحكومية، وأن زادت تلك الأسباب بخصوصية عمل البريد تحديداً... فأول تلك الأسباب هو ما لاقاه الإخوان من اضطهاد حكومي قبل ثورة يوليو 1952 بالنفي والتشريد والفصل أحياناً من العمل بالجهات الحكومية، خاصة كلما جاء حزب الوفد للسلطة، حيث كان من مبادئه أن يأتي ويأتي معه كبار موظفي الدولة من عائلات وفدية أو من المقربين منهم، مما دفع الشيخ حسن البنا رحمه الله بمناشدة جموع الإخوان بالاعتماد على العمل الحر بعيداً عن التقيد بالوظائف الحكومية، حتى لا تقع أرزاقهم محل ضغط أو ريبة في دينهم... أما السبب الثاني متعلق بخصوصية عمل البريد في احتوائه لصندوق التوفير، وكثيراً من الإخوان يعتقدون بحرمانية فوائده والعمل في كل ما يتعلق بربوية أمواله، ومن ثم كان الابتعاد عن العمل بالبريد المصري أمراً منطقياً لدرء الشبهات، وهذا يفسر بشكل كبير تغلغل الأقباط وتقلدهم معظم الوظائف ذات الطابع المالي من وكلاء مكاتب أو وكلاء ماليين أو خزن وغيرها.
.
أما بعد الثورة، وخاصة بعد حادث المنشية عام 1954 فكان إنسحاب الإخوان أمراً طبيعياً في ظل الملاحقات الأمنية والتشويش الإعلامي الذي أستمر لأوائل السبعينيات، حيث سمح لهم الرئيس السادات بمزاولة نشاطات محدودة، لم تخرج عن بعض الأعمال والأنشطة الاقتصادية الخاصة، والتي في أعتقادي أن تلك الأعمال أثمرت عن نجاحات أكبر بكثير من النجاحات التي كان يمكن تحقيقها لو تركوا للانخراط في سلك الوظائف الإدارية بالدولة بقيودها العقيمة ورواتبها الضئيلة.
.
الحال لم يتغير كثيرا خلال الثمانينات والتسعينات، فالانخراط داخل الجهاز الإداري للدولة أصبح تحكمه قواعد وأسس وموافقات أمنية تمنع بالأساس إقتراب هؤلاء الإخوان من الوظائف الحكومية، ناهيك بالطبع عن الالتحاق بالجيش والشرطة والوظائف الدبلوماسية والقضائية، فتلك الوظائف أصبحت ذات طابع سياسي بالدرجة الأولي، فالكل يعرف أن من ضمن أوارق التعيين أن وجد أصلاً، وتم الإعلان عن مسابقة لوظيفة ما، أن ثمة استمارات بحث يتم بموجبها التحقق أمنياً وسياسياً من المتقدم لشاغلي تلك الوظيفة، ويتم استبعاد من وجد على ثوبه غباراً أمنياً أو سياسياً...
.
الخلاصـة، أنه لا إخـوان مسلمون في البريد المصري سواء قديماً أو حديثاُ، ولن يكون في المنظور القريب، اللهم نفر غير معلن، فالعاملون في البريد المصري لم يكونوا في يوم من الأيام إخوان، بل دائمون ومؤقتون، سعاه ومديرون، موظفون ومستشارون!!..
.
وللحديث بقية أن شاء الله...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

الثلاثاء، 24 أغسطس 2010

البريد المصري في اليوم السابع!!..


" اليــوم السـابع " صحيفة إخبارية إلكترونية يومية، تصدر عن الشركة المصرية للصحافة والنشر والإعلان، حققت نجاح غير مسبوق خلال فترة وجيزة من صدورها... ورغم عدم تقبلي لبعض الأخبار والمقالات التي ترد بها، والتي عادة ما تحوي نوعاً من الإثارة، كأخبار الجرائم، وتطاحن بعض المسلمين والأقباط بزواجهم وتحولهم الديني، وكذلك لتجاهلها عمداً عن بعض الأخبار الهامة كأخبار الشأن الداخلي من انتخابات وتزوير والانبطاح المجتمعي، إلا أنها أصبحت دون إدراك افتتاحية ما أتصفحه يومياً على شبكة الانترنت، ربما لتتابع أخبارها على مدار اليوم أو الإثارة التي تحدثها بأخبارها ومقالات بعض كتابها...
.
وبعيداً عن التوجهات الصحفية أو السياسية لتلك الصحيفة، أو الخوض في إيديولوجيتها ونهجها الفكري، وما تثيره أحياناً من تخبط في بعض الرموز الإسلامية، وصل مداه ما كانت تستعد له من نشر رواية ذات افتتاحيات تسئ للرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وتراجعها السريع عن ذلك... وبعيداً أيضاً عن سياستها التحريرية وأفكار كتابها وحريتهم الإبداعية والثقافية، أجد نفسي غير مكتوف عن سؤالاً هاماً في عالم ومهنة الصحافة، إلا وهو مصدر تمويلها؟!.. فمن أين تمول تلك الصحيفة الأخبارية وموقعها لا يبث إعلاناً واحداً، ويعمل بها كتيبة من الصحفيين والمحررين والإعلاميين ؟!..
.
من العنوان تجد الإجابة!!.. فالبريد المصري أتصوره رافداً من روافد هذا التمويل، فالاهتمام البالغ والمتزايد لأخبار البريد المصري على موقع اليوم السابع يبعث على الحيرة والفضول، فالازدواجية في نشر أخباره، والتكرار الغير مبرر بسبب وبدون سبب، وضحالة بعض تلك الأخبار يرسخ مفهوم الصحافة الإعلانية لا الصحافة الإعلامية!!.. أربعون خبراً تم نشرها عن البريد المصري خلال أربعة أشهر، من أول إبريل حتى نهاية يوليو 2010، وكأن البريد المصري أصبح بؤرة الأحداث، ومرتكز قضايا الوطن والمواطن... فالتكرار والتناقض في تصريحات مسئوليه والاستنساخ من بعض الصحف ووكالات الأنباء أصبح النمط المتكرر والمنتظم للصحيفة...
.
أمثلة عدة أسوقها للدلالة على تكرار نشر مضمون نفس الخبر وبعنوان وبتاريخ مختلف:
- بتاريخ 1/4/2010 "موسي يوقع إصدار طابع بريد يوم اليتيم العربي"، وبتاريخ 20/4/2010 "إصدار طابع بريد تذكاري بمناسبة يوم اليتيم".
- بتاريخ 21/4/2010 "زكي يشارك في أعمال مؤتمر البريد العالمي بسويسرا"، وبتاريخ 22/4/2010 "زكي يعرض تجربة مصر في تطوير خدمات البريد بسويسرا".
- بتاريخ 14/4/2010 "كروت إلكترونية لـ 3 ملايين من أصحاب المعاشات لصرفها من البريد"، وبتاريخ 23/7/2010 "البريد بصدد الاتفاق مع المالية لصرف المعاشات إلكترونياً".
- بتاريخ 28/4/2010 "الملتقي الثاني للبريد المصري يكرم بهاء طاهر"، وبتاريخ 26/5/2010 "إفتتاح الملتقي الإبداعي الثاني للبريد الأحد المقبل".
.
وأمثلة أخري لضحالة ما يتم نشره من أخبار معتادة ولا قيمة لها:
- بتاريخ 15/4/2010 "نشوب حريقين بمكتب بريد ومصنع أخشاب بأسيوط".
- بتاريخ 20/4/2010 "اختيار الموظف المثالي بالهيئة القومية للبريد".
- بتاريخ 5/5/2010 "البريد يعلن أسماء الفائزين بعمرة مولد النبي".
- بتاريخ 12/5/2010 "تعيين اثنين من أقارب جندي دارفور في البريد".
- بتاريخ 20/6/2010 "سيارة نظافة تابعة للمحافظة تحطم مكتب بريد السويس".
.
وأمثلة ثالثة عن تضارب البيانات والأرقام بتصريحات المسئولين بالبريد المصري:
- بتاريخ 19/4/2010 "افتتاح 3 مكاتب بريد جديدة، المطار والحلمية والزهور"... تصريح لرئيسة قطاع التسويق أن البريد يستهدف الوصول باعداد المكاتب على مستوي الجمهورية إلى 10 آلاف مكتب بريد حتى عام 2012... وهو أمر غير معقول حيث يتطلب الأمر إنشاء ستة آلاف مكتب بريد في غضون سنتين وأربعة أشهر بمعدل سبعة مكاتب يومياً تقريباً !!..
- بتاريخ 19/6/2010 "82 مليارا قيمة المدخرات في دفاتر التوفير"... بينما بتاريخ 30/3/2010 وتحت عنوان "خلال عام 2008/2009 تقلص مكاتب البريد وتراجع صناديق التوفير" تم إظهار النشرة السنوية لإحصاءات خدمات البريد الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بتقلص قيمة المبالغ المودعة بصناديق التوفير، حيث بلغت 40.4 مليار جنيه عام 2008/2009 مقابل 40.8 مليار جنيه عام 2007/2008، بنسبة انخفاض قدرها 1% ... فكيف تضاعفت تلك المبالغ خلال عام واحد؟!..
.
تلك أمثلة لنحو أربعون خبراً للدلالة على أن إدارة تحرير الصحيفة برئاستها الحالية وبفكر صحفي رأسمالي، وبقدر من المساعدة الشريفة أن يحقق روافد عده لتمويل صحيفته وتنمية مواردها المالية خلال فترة وجيزة من الصدور، ولكنه عجز أن يأيتنا بإخراج أكثر نضجاً لتكون أخباراً صحفية ذات صبغة إعلامية وليست أخباراً إعلانية !!..
.
وللحديث بقية إن شاء الله ...

الأربعاء، 18 أغسطس 2010

صحافتنا والبريد المصري !!..


الصحف والمجلات لم تكن في يوم من الأيام بالنسبة لي مجرد أوراق أتصفحها، ومعرفة ما بها من أخبار، بل كانت ومازالت مادة أرشيفية أحتفظ بها، أقوم بتبويبها، وتنظيمها وإعادة ربط وصياغة ما يرد بها من أخبار وتحليلات... هذه الهواية أو المهارة وأن وفرت لي بعض فرص العمل ببعض المؤسسات الإعلامية والصحفية داخل وخارج مصر خلال العشرين عاما الماضية، إلا أنها أصبحت ذات تأثير في تكويني الشخصي، الباحثة دائماً عن الأخبار وربطها زمنياً ببعضها البعض، والتحقق من مصادرها واتجاهات أقلامها، وخاصة مع توافرها الآن إلكترونياً...
.
هذه الهواية أو المهارة جعلتني أتابع عن كثب كل ما يكتب أو ينشر بحكم إنتمائي للبريد المصري عن البريد، خاصة ما ينشر عن البريد المصري، وتطوره المضطرد خلال العشر سنوات السابقة، والاهتمام البالغ من بعض الصحف بنشر أخباره ومتابعة نشاطه ونشاط قياداته، بعد أن كان نسياً منسيا... فخلال عقدين من الزمن، الثمانيات والتسعينات لم ينشر عن البريد المصري إلا نوادر من الأخبار المرتبطة بحوادث إرهابية بوجود مفرقعات داخل أحد الطرود أو نقد لاذع عن التزاحم والتشابك على مكاتب البريد، أو بعض الطرائف التي تحط من قدر هذا المرفق والاستهانة بما يقدمه من خدمات مالية ومجتمعية، هذه الحدة في النقد ارتفعت بصورة غير مسبوقة بعد توجة البريد المصري نحو رفع سعر المطبوعات الدورية أوائل التسعينات، مما حذا بالمسئولين عن البريد بالتراجع عن تلك الزيادة، رغم تحمله لتكاليف شحن تلك المطبوعات لبعض البلدان العربية والأجنبية تصل لأكثر من عشر أضعاف ما تحصل عليه من هذه المؤسسات الصحفية... هذه الصورة تغيرت بالكلية حين تسلم الدكتور علي المصيلحي رئاسة مجلس إدارة البريد المصري عام 2002 والذي صاحبه اهتمام إعلامي وصحفي غير مسبوق بنشاط وإنجازات وتطور البريد المصري، أعتمد في البداية على صحيفتي الأهرام والمصري اليوم، ثم سرعان ما تحول إلى صحيفة الجمهورية وموقع اليوم السابع...
.
وعوامل هذا التحول يعرفها بالقطع عناصر محدودة بالبريد المصري وبتلك المؤسسات الصحفية، غير أن المتابع لأخبار البريد المصري عبر تلك الصحف يمكنه أن يلتقط بعض تلك العوامل، فإنسحاب صحيفة المصري اليوم من المشهد أصبح واضحاً بنشر تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن نهب أموال هيئة البريد بتاريخ 24/2/2009 ومتابعة نشاط المظاهرات التي قام بها بعض العاملين بمحافظة كفر الشيخ والفيوم خلال شهر مايو 2009 بما لا يتفق مع السياسة الإعلامية للبريد المصري... بينما جاء دخول صحيفة الجمهورية للساحة بعد تكتيك هجومي متتالي ومتكرر ومرتب من أعلي قيادة بدار التحرير، أتبعه تهدئة، ثم موالاة وامتداح لدور البريد المصري، وحوارات ولقاءات متعددة مع المهندس علاء فهمي، ومتابعة أنشطة و إعلانات، صاحبه توزيع إصدارات دار التحرير وكتاب الجمهورية على معظم المديرين بالهيئة، ليبلـغ ذروة هذا التعاون بتوقيع برتوكول تعـاون لدعـم الخدمـات الثقافيـة والإبداعيـة ورعايـة الموهـوبين وإقامـة المسابقات في الشعر والقصة والرواية (صحيفة الجمهورية 18/5/2010)... بينما إنسحبت صحيفة الأهرام تدريجياً دون سبب معروف، رغم الإطراء والمديح الذي نراه بمقال الدكتورعبد المنعم سعيد، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، عن البريد المصري بتاريخ 7/9/2009 ، إلا أنه على ما يبدو جاء بعد فوات الآوان، وتغلغل صحيفة الجمهورية في أحشاء البريد المصري... أما حالة موقع اليوم السابع فنموذج فريد، يصعب فهمه من هذا الكم والاهتمام الهائل بأخبار ونشاط البريد المصري!!..
.
أضف إلى ذلك محاولات حثيثة من بعض الصحف في التهافت علي أخبار البريد المصري، سواء سلباً أو إيجاباً... فصحيفة الدستور حريصة على نشر سلبيات وما يقع تحت يديها من مخالفات وتقارير مثيرة عن البريد المصري أو قياداته، بينما روزاليوسف ترصد أنشطة الهيئة بطريقة منتظمة وتساير مدرسة دار التحرير، بينما صحيفة الشروق لم تنزلق بعد بتلك الساحة!!..
.
البريد المصري أصبح مثار اهتمام غير مسبوق من الصحف المصرية، دون غيره من الهيئات والمؤسسات الحكومية الأخري!!.. ولرصد كل هذه التفاعلات يتطلب الأمر صفحات وصفحات من تلك المدونة، سنحاول إيجاز ما يمكن إيجازه، وإيضاح ما يجب إيضاحه...
.
وللحديث بقية أن شاء الله...

السبت، 14 أغسطس 2010

الصحافة البريدية ...


ثمة علاقة وثيقة تربط مهنة الصحافة بالبريد، فمنذ النشأة الأولي لصاحبة الجلالة وهي تعتمد اعتماد كبيراً على الخدمات البريدية، حتى جاء الوقت الذي صارت فيه العلاقة بينهما علاقة عكسية، فصاحبة الجلالة تري البريد الآن تراثاً تاريخياً، فالهاتف والفاكس والانترنت، وشركات توزيع الصحف، جعلت الخدمات البريدية بالنسبة لها ماضياً لا رجعة فيه... بينما أصبح البريد في حاجة للصحافة للتعريف بخدماته، ونشر أخباره، وإيضاحه دوره المجتمعي وإبراز نشاطه ونشاط رؤسائه وقياداته...
.
فكما هو معلوم أن البريد نشأ منذ نشأت المجتمعات الإنسانية وحاجة الإنسان الملحة بالاتصال بين بني جنسه في مختلف أرجاء الدنيا، أما الصحافة الحديثة فقد نشأت في أوروبا في العصور الوسطي في شكل رسائل إخبارية منسوخة تروي أخبار الملوك ومن يحيطون بهم من نبلاء وحكام للولايات، خاصة في حالات الحروب والنازعات المختلفة... فالبذور الأولي للصحافة كانت تتناول موضوعات سياسية واقتصادية تحتكرها الحكومات لأغراض السلطة والسيطرة على مقاليد الحكم، ولذا كان رجل البريد ذو مكانه مميزة، أشبه كثيراً بالسفراء ورجال الدولة...
.
هذه العلاقة ظهرت بوضوح في مدينة البندقية الإيطالية، التي كانت سباقة في إنشاء العديد من المكاتب الإخبارية التي يشرف عليها كتاب الأخبار أو المخبرون بتدوينها وبيعها بالتوزيع على عدد محدود من المشتركين بواسطة موزعي البريد، ثم جاء الأخوة فوجرز وهما من أشهر المخبرين والمتخصصين في أعمال المصارف واتخذوا من مدينة أوغاسبرج مقرا لهم، وفتحوا فروعا في لندن وباريس وغيرها من العواصم الأوربية... وتحول النشر الصحفي من الأخبار الاقتصادية والتجارية إلى الأخبار السياسية والاجتماعية، والتي أصبحت رسائلهم ذات قيمة جوهرية لرجال الأعمال والسياسة في ذلك الوقت... وهكذا ظلت تلك المكاتب الأخبارية توزعا بريديا على الطبقة البورجوازية والطبقة الحاكمة حتى تم اختراع الطباعة، وظهرت بدايات النشر الصحفي والتوزيع البريدي الواسع النطاق لها.
.
وخـلال فترة وجيزة وعلى أثر اختراع الطباعة ارتبط صدور الصحف بانتظام الخدمات البريدية، حيث كان لانتظام توزيع البريد ثلاث مرات أسبوعيا سبباً رئيسياً في إنتشار الصحف، حتى أن معظم الصحف كانت تحمل أسم البريد مثل البريـد الطـائرFlying Post والبريد الأسبوعي Weekly Messenger والبريد المسائي Evening Post ... وتوثيقاً لهذه الصلة ارتبط صدور بعض الصحف برجال البريد، فنجد جون كامثبيل، مدير البريد في بوسطن الذي أصدر أول صحيفة أسبوعية "بوسطن نيوزليتر" عام 1704، وبنيامين فرانكلين أول مدير عام للبريد في فيلادلفيا أصدر صحيفة "بنسلفانيا جازيت" عام 1721... وعلى الرغم من أن نشأة الخدمات البريدية بصورتها الحديثة وانتظامها كان نعمة على الصحافة الإخبارية، إلا أنه كان يعيب ذلك أن بعض المسئولين في البريد كانوا يحتكرون الأخبار الخارجية، ويتقاضون إتاوات نظير الحصول على تلك الأخبار، وكان البعض منهم يرتشون مقابل تفضيل بعض الصحف على غيرها وإعطائها الأولوية في تسليم الأخبار...
.
ورغم تأخر الصحافة العربية عن الصدور حتى العقد الثاني من القرن التاسع عشر، حين أصدر داود باشا أول صحيفة عربية في بغداد عام 1816 باسم "جورنال عراق" باللغتين العربية والتركية، ثم أتبعها إصدار محمد علي باشا صحيفة "الوقائع المصرية" في عام 1828، والتي أعقبها صدور العديد من الصحف باللغة العربية في مختلف البلدان العربية، كالمؤيد والسياسة والبلاغ والأهرام، إلا أنها استفادت من التطور الهائل في أساليب الطباعة والنسخ التي أتقنتها الصحف الأوروبية، وكانت تلك الصحف تعتمد بشكل كبير على الخدمات البريدية في توزيعها، خاصة أن معظم تلك الصحف كانت ذا طابع رسمي وخاضع للحكومات المركزية.
.
ظل حال الصحف في الاعتماد بشكل رئيسي على الخدمات البريدية، إلى أن ابتدع صاحب صحيفة The New York Sun ويدعي داي عام 1833 شكل جديد للصحافة بالاهتمام بالأخبار المحلية والقصص الصحفية ذات الجوانب الإنسانية وبالجرائم والقصص البوليسية، ودفعه لزيادة توزيع صحيفته الاستعانة بالصبية الصغار، والتي وصل توزيعها لنحو الفي نسخة بعد شهرين فقط من صدورها، ثم قفز هذا العدد في عام 1837 لنحو ثلاثون ألف نسخة بفضل جذابية الصحيفة والطريقة المبتكرة لعملية التوزيع، مما دفع بشدة لإنشاء شركات متخصصة لتوزيع الصحف، والتي انهت بصفة نهائية على الاستعانة بالخدمات البريدية في توزيع الصحف داخلياً، بينما ظلت بالاستعانة بها في التوزيع خارجياً حتى أوائل الثمانيات بانتشار إصدار الصحف دولياً عن طريق الفاكس وطبعها طبعات دولية.
.
مع بداية التسعينات ودخول عصر الانترنت والصحافة الإلكترونية وتقلص توزيع الصحف الورقية بصورة كبيرة، والتي صاحبها تهديد لكثير من الصحف بالإغلاق، انتهجت إدارات تلك الصحف، خاصة الحكومية منها بالبحث عن بدائل لتمويل يغطي التزاماتها المعهودة في السوق... هذه البدائل كانت مرتكزة بالأساس على زيادة المساحات الإعلانية والتوسع في الصحافة الإعلانية والتحرير الصحفي المدفوع الأجر، واللقاءات والتحقيقات التي من شأنها تدر أموالاً لتغطية عجز مواردها، وهو ما وجد رواجاً واستحساناً من بعض الهيئات والوزارات التي حققت بعض الطفرات المالية في الأوانة الأخيرة، ومنها البريد المصري على وجه الخصوص.
.
فالبريد المصري خلال العشر سنوات الأخيرة وبتحقيقه تلك الطفرات المالية، أصبح محور جذب وانتباه من قبل بعض الصحف، خاصة الحكومية والتي رأت فيه مغنماً أو مخرجاً لجزء من أزمتها المالية، صاحب ذلك هوي بعض الرؤساء بالبريد المصري والطامحين لمناصب قيادية أرفع بالدولة، وهو ما حدث بالفعل بارتقاء وزيرين من رحم البريد المصري وبمساندة وبمباركة كاملة من بعض الصحف !!... وصحيفة الجمهورية على سبيل المثال ذات اهتمام خاص بكل ما يحدث في البريد المصري من إنجازات وتطور وازدهار، واللقاءات والحوارات والمساحة الإعلانية المتاحة للبريد، وبرتوكول التعاون الثقافي الموقع بين دار التحرير والبريد المصري بتاريخ 18/5/2010 يمثل نموذج لهذا الأفق الجديد!!..
.
كما أن ثمة مرتكزاً آخر لاستراتيجية تلك الصحف لتحسين مواردها، وذلك بالعمل على إرتقاء أعضائها ومؤائمة مواردهم المالية المتنامية بهذا التفاعل بتشغيل بعضهم كمستشارين إعلامين بمختلف الهيئات والوزارات، على غرار المستشارين القانونين القادمين من بعض الهيئات القضائية ووزارة العدل، مما يقلل من كاهل تلك المؤسسات الصحفية...
.
العـلاقة الآن أصبـحت مجـرد استرزاق وتبــادل منافـع شخصية... هذه العـلاقة ما كانت تظهر بتـلك الصـورة إلا من جـراء تحـول في الحـالة الاجتماعية المصرية، حـال الكـلام والكـلام الكثـير دون الفعل، لاسيما لو كـان ذلـك على ورق الصحـف!!..
.
وللحديث بقية ..
Ashraf_mojahed63@yahoo.com