الجمعة، 20 فبراير 2009

مقترحات دستور الاتحاد البريدي العالمي والنظام العام ..

.
دستور الاتحاد البريدي العالمي هو الوثيقة الأساسية المشتملة على القواعد التنظيمية للاتحاد، وهو وثيقة دبلوماسية تصادق عليها السلطة المختصة في كل بلد عضو بالاتحاد… حيث تم صياغته واعتماده بمؤتمر فيينا عام 1964 بعد دراسات مستفيضة بغية ضمان استمرارية الاتحاد بموجب وثيقة ثابتة ودائمة ومماثلة لوثائق المنظمات الدولية الأخرى… ومن أجل ضمان استقرار الدستور وعدم إدخال عليه تعديلات تم إنشاء وثيقة جديدة هي النظام العام كوثيقة إجبارية تتضمن الأحكام التي تضمن تطبيق الدستور وسير عمل الاتحاد يمكن تجديدها وتعديل بنودها في كل مؤتمر… كما تم الموافقة على إنشاء برتوكولات ختامية إضافية تلحق بالدستور في حالة ضرورية ما يطرأ عليه من تعديل، كان أولها بمؤتمر طوكيو 1969 وأخرها البرتوكول الختامي الإضافي السابع بمؤتمر بوخارست 2004.
.
ويتكون الدستور من ديباجة افتتاحية وثلاثة أجزاء رئيسية تتضمن ثلاثة وثلاثون مادة، فالديباجة تظهر رسالة الاتحاد وأهدافه في تحفيز التنمية المستمرة للخدمات البريدية الشمولية ذات النوعية الفعالة بغية تسهيل الاتصالات بين سكان العالم من خلال خمس مبادئ رئيسية تضمن النهوض بالخدمات البريدية، أما الأجزاء الثلاثة، فالجزء الأول: من المادة الأولي إلى المادة الحادية والعشرون يتضمن عموميات عن الاتحاد وأهدافه ولغته الرسمية ووحدته النقدية وعلاقاته بمنظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، وسبل الانضمام والخروج من الاتحاد، وتنظيم أجهزة الاتحاد المختلفة كالمؤتمر والاجتماعات الدورية ومجلس الإدارة ومجلس الاستثمار والمكتب الدولي، كما يتضمن مالية الاتحاد من مصاريف ومساهمات الأعضاء، والجزء الثاني: من المادة الثانية والعشرون إلى المادة الثانية والثلاثون تتعلق بوثائق الاتحاد وتطبيقها وعلاقاتها بالتشريعات القومية للبلدان الأعضاء وقبولها ونقضها وطرق تعديل تلك الوثائق وما يتعلق بها من اقتراحات وتحكيم وتسوية الخلافات بين البلدان الأعضاء، أما الجزء الثالث: فيتضمن المادة الثالثة والثلاثون لبيان تنفيذ الدستور ومدة العمل به، كما أن الموافقة على الاقتراحات المتعلقة بتعديل الدستور حددته المادة 30 بضرورة موافقة ثلثي البلدان الأعضاء في الاتحاد على الأقل والتي لها حق التصويت، على أن توضع تلك التعديلات ببرتوكول إضافي يبدأ تطبيقه في نفس الوقت مع الوثائق التي تجدد خلال نفس المؤتمر.
.
وقد بلغت الاقتراحــات المقـدمة للمؤتمر القــادم/ جنيـف 2008 بشأن تعــديل الدستور تسعة عشر اقتراحــاً يمكن تقسيــمها إلى ثــلاث تعديــلات رئيســية :
.
فالتعديل الأول : يشمل الديباجة الافتتاحية بإضافة أمرين مهمين للغاية، الأول: يتعلق بإثبات كون الاتحاد البريدي العالمي كوكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، وهو أمر تأخر كثيراً حيث انضم الاتحاد كوكالة متخصصة تابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي لمنظمة الأمم المتحدة منذ عام 1947، والثاني: يتعلق بتوسعة نطاق نشاط الاتحاد ليصبح معززاً للنهوض بالتجارة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية على النطاق العالمي، بالإضافة إلى رسالته الأساسية في تنمية المواصلات بين الشعوب. والتعديل الثاني : ويشمل نحو تسعة اقتراحات مقدمة من مجلس الإدارة للاستعاضة عن مصطلح إدارة بريدية إلى بلد عضو و/أو مستثمر معين… وقد أشرنا إليها بمقالنا السابق مقترحات الاتفاقية البريدية الدولية وبرتوكولها الختامي. أما التعديل الثالث : فيشمل نحو عشرة اقتراحات وجميعها يتعلق بإدخال تعديلات طفيفة على بعض المواد، أهمها الاقتراحات الإيرانية بشأن إضافة بعائث الطرود البريدية بالمادة الأولي مع بعائث بريد الرسائل، وهو يتماشى مع مفهوم توسعة نطاق الاتحاد للنهوض بالتجارة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية العالمية، وأيضاً إضافة اللجنة الاستشارية بالمادة الثالثة عشر كمكون خامس لأجهزة الاتحاد الأساسية، ممثلاً للمنظمات الغير حكومية العاملة في المجال البريدي… أما باقي الاقتراحات فتتعلق بتعريف بعض المعطيات الجديدة كتعريف المستثمر المعين، والتحفظ، واللجنة الاستشارية وتحديد مهام المؤتمر.
.
أما النظام العام فيتكون من ستة أجزاء رئيسية تتضمن خمسة وثلاثون مادة، فالجزء الأول: من المادة مائه وواحد حتى المادة مائه وعشرة تتضمن تفاصيل عمل أجهزة الاتحاد من تنظيم اجتماعات دورية وغير دورية وتكوين مجلس الإدارة وأوجه نشاطه وتكوين مجلس الاستثمار وأوجه نشاطه بالإضافة إلى عمل اللجنة الاستشارية، والجزء الثاني: من المادة مائه وإحدي عشر إلى المادة مائه وواحد وعشرون وتتضمن تفاصيل عمل المكتب الدولي، والمهام الوظيفية لكل من المدير العام ونائبه وأمانة الاتحاد، بالإضافة لمهام المكتب الدولي في نشر الوثائق والتدخل في تصفية الحسابات ونشر البيانات والمعلومات على البلدان الأعضاء وما يعده من تقارير دورية عن أوجه نشاط الاتحاد، والجزء الثالث: من المادة مائه وأثنين وعشرون حتى المادة مائه وسبعة وعشرون ويتعلق بكافة إجراءات تقديم الاقتراحات وفحصها عرضها وإجراءات التصويت عليها بالمؤتمر، والجزء الرابع: من المادة مائه وثمانية وعشرون حتى المادة مائه وواحد وثلاثون فيتعلق بالشئون المالية للاتحاد من تحديد وتسوية مصاريف الاتحاد ومراتب مساهمات البلدان الأعضاء والعقوبات التلقائية، أما الجزء الخامس: المادة مائه وأثنين وثلاثون وتختص بإجراءات التحكم، وأخيراً الجزء السادس: من المادة مائه وثلاثة وثلاثون إلى المادة مائه وخمسة وثلاثون وتتضمن أحكاماً ختامية لشروط الموافقة على الاقتراحات المتعلقة بالنظام العام والمتعلقة بالاتفاقات مع منظمة الأمم المتحدة وتنفيذ النظام العام ومدة العمل بها…كما أن الموافقة على الاقتراحات المتعلقة بتعديل النظام العام حددته المادة 133 بضرورة موافقة أغلبية البلدان الأعضاء الممثلة في المؤتمر والتي تملك حق التصويت، ويجب حضور ثلثي البلدان الأعضاء في الاتحاد على الأقل عند التصويت.
.
وقد بلغــت الاقتراحــات المقدمة للمؤتـمر القــادم/ جنيـف 2008 بشأن تعديــل النظــام العــام سبعة وأربعــون اقتراحــاً يمكن تقسيمها إلى ثـلاث تعديــلات رئيسية:
.
فالتعديل الأول : يشمل سبعة اقتراحات مقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية متعلقة بطلب الترخيص بإنشاء مجموعات تمول تمويلا طوعياً من المؤتمر أو مجلس الإدارة أو مجلس الاستثمار البريدي للمستثمرين المعينين، وذلك بغية المضي قدماً في انجاز تعاونيات على غرار تعاونية الاتصالات المعلوماتية وتعاونية البريد العاجل الدولي، وتكون تلك المجموعات ذات قدرة على إرساء قواعد الإدارة الرشيدة الخاصة بها، حيث ستمول ذاتياً وبعيداً عن ميزانية الاتحاد المدعومة من مساهمات الأعضاء، كما أنها ستكون أكثر قدرة على تحديد أولوية إنفاق تلك الأموال لتحقيق مصالحها المشتركة. والتعديل الثاني : ويشمل نحو تسعة عشراقتراحا مقدمة من مجلس الإدارة للاستعاضة عن مصطلح إدارة بريدية إلى بلد عضو و/أو مستثمر معين… وقد أشرنا إليها بمقالنا السابق مقترحات الاتفاقية البريدية الدولية وبرتوكولها الختامي. أما التعديل الثالث : فيشمل نحو واحد وعشرون اقتراحاً يتعلق معظمها بإدخال تعديلات طفيفة على بعض المواد، وأهمها على الإطلاق ثلاث اقتراحات مقدمة من مجلس الإدارة، الأول: لإضافة المادة 101 مكرر لتحديد وظائف المؤتمر، حيث سيساعد علي وصف المهام الوظيفية للمؤتمر بالدقة المطلوبة البلدان الأعضاء خاصة البلد المستضيف إلى فهم أشمل وأوسع لتلك المهام، وذلك أسوة بغالبية المنظمات الدولية المتخصصة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة. والثاني: يتعلق بالمادة 102/3 حيث يقترح إلغاء قاعدة الحد من عدد الولايات المتتالية بولايتين وتخفيض عدد المقاعد الواجب تجديدها خلال كل مؤتمر من النصف إلى الثلث مع الالتزام بالتوزيع الجغرافي للمقاعد المعمول به حاليا، الأمر الذي سيفتح المجال لهيمنة بعض البلدان باستمرارية الانتخاب لعضوية مجلس الإدارة دون انقطاع وحرمان البعض الآخر. أما الثالث: فيتعلق بالمادة 130 بتحديد مراتب مساهمات البلدان الأعضاء بغية تغطية الزيادة المضطردة في ميزانية الاتحاد دون زيادة قيمة وحدة المساهمة.
.
وللحديث بقية ..
ashraf_mojahed63@yahoo.com

مقترحات الاتفاقية البريدية وبروتوكولها الختامي ..

.
الاتفاقية البريدية تمثل عصب التعاون البريدي الدولي، فهي معاهدة تقنية تقدم القواعد المشتركة المطبقة على الخدمات البريدية الدولية والأحكام الخاصة بخدمتي بريد الرسائل والطرود البريدية… وقد أعيدت هيكلتها بصورة أساسية في مؤتمر بوخارست 2004، حيث تضمنت 38 مادة مقابل 65 مادة باتفاقية بكين 1999، وكان الهدف الأساسي من إعادة صياغة الاتفاقية على هذا النحو هو ضمان أكبر قدر من الوضوح في التمييز بين الدور الحكومي والدور التنفيذي الخاص لكل من الاتحاد ولجانه، وكذلك لتحديد الكيان أو الكيانات المسؤولة عن التقيد بالالتزامات النابعة من الانضمام والتوقيع على تلك الاتفاقية.
.
وتتكون الاتفاقية من أربعة أجزاء رئيسية، فالجزء الأول: من المادة الأولي إلى المادة الحادية عشر يتعلق بالقواعد المشتركة للخدمة البريدية الدولية، والجزء الثاني: من المادة الثانية عشر إلى المادة السابعة والعشرون يتعلق بالقواعد التي تسري على خدمة بريد الرسائل والطرود البريدية، أما الجزء الثالث: من المادة الثامنة والعشرين إلى المادة الخامسة والثلاثون يتعلق بالأجور البريدية وما يتصل بها من نفقات ختامية وصندوق نوعية الخدمة والأحكام المتعلقة بنفقات النقل الجوي، والجزء الرابع والأخير: من المادة السادسة والثلاثون إلى المادة الثامنة والثلاثون يتضمن أحكام ختامية تتعلق بشروط الموافقة على الاقتراحات والتحفظات وتنفيذ الاتفاقية… وتعد الاتفاقية من الوثائق الإجبارية الملزمة لكافة البلدان الأعضاء بالاتحاد البريدي العالمي منذ مؤتمر فيينا 1964، كما أن الموافقة على الاقتراحات المتعلقة بتعديل بنودها حددته المادة 36 منها، بضرورة موافقة أغلبية البلدان الأعضاء الحاضرة والمقترعة بالمؤتمر والتي تتمتع بحق التصويت، ولابد من حضور ما لا يقل عن نصف البلدان الأعضاء الممثلة في المؤتمر.
.
وقد بلغت الاقتراحــات المقـدمة للمؤتمـر القــادم/ جنــيف 2008 بشأن تعديـل بعض مــوادها نحــو 104 مقترحــاً يمكن تقسيمها نوعيــاً إلى ثــلاث مجمـوعات :
.
المجموعة الأولي : وتشمل نحو 32 اقتراحاً مقدمة من مجلس الإدارة للاستعاضة عن مصطلح إدارة بريدية إلى بلد عضو و/أو مستثمر معين… وترجع فكرة تغيير مصطلح إدارة بريدية منذ مؤتمر سيول 1994 حيث أقر بالحكم C29 بوجود هياكل متنوعة في البلدان الأعضاء تقوم بإداء الخدمات البريدية، وهو ما أكده مؤتمر بكين 1999 في الحكم C110 على ضرورة التمييز بوضوح بين الأدوار والمسؤوليات الحكومية والتشغيلية لأجهزة الاتحاد فيما يخص توفير الخدمات البريدية الدولية … وبالفعل تم إدراج المادة الثانية بإتفاقية بوخارست 2004حيث أقر بوجود كيانين وطنيين مسؤولين عن استيفاء الواجبات الناشئة عن اتفاقية الاتحاد البريدي العالمي وهما الهيئات الحكومية المسؤولة عن الإشراف عن الشؤون البريدية والمستثمرون المعينون الذين يقدمون الخدمات البريدية … وعرف مصطلح بلد عضو بأنه بلد يستوفي شروط المادة الثانية من الدستور ويقصد به كل سلطة حكومية أو كل خدمة حكومية مسؤولة عن إدارة الشئون البريدية، ومصطلح مستثمر معين بأنه أي كيان حكومي أو غير حكومي يعينه رسمياً البلد العضو لاستثمار الخدمات البريدية ويستوفي الواجبات ذات الصلة النابعة عن وثائق الاتحاد داخل أراضيه.
.
ويبدو أن الوصول لإدخال الكيانات الغير حكومية أو المستثمرون الخواص كان الهدف المتدرج والحقيقي الذي سعي إليه من خلال جملة الدراسات والاستقصاءات التي أجراها مجلس الإدارة بهذا الشأن منذ مؤتمر سيول 1994 فالاندفاع نحو العولمة والسوق الحر واستثمار الخدمات البريدية أصبح قاب قوسين أو أدني من البلدان النامية والفقيرة، بعدما تم الاتفاق الأوروبي على تحرير السوق البريدية بحلول عام 2011… وما يثير القلق هو بزوغ شركات ضخمة، شركات كارتل أو متعددة الجنسية، تسعي منذ فترة ليست بالوجيزة للسيطرة على الأسواق البريدية للبلدان النامية، بتكوين كيانات بريدية ضخمة تخطط للسيطرة وإبتلاع السوق البريدي الدولي… ولن تستطيع الكيانات البريدية الصغيرة الوقوف طويلا أمام تلك الكيانات الضخمة لتقديم خدمات بريدية لمواطنيها بأسعار مخفضة ومناسبة، وستضطر في النهاية للخضوع للمستثمرين الجدد.
.
المجموعة الثانية : وتشمل نحو 24 اقتراحاً مقدمة من مجلس الاستثمار وبعض البلدان أهمها الإمارات العربية وفرنسا، وجميعها يتعلق بإدخال تعديلات على الجزء الثالث من الاتفاقية الخاصة بالنفقات الختامية وصندوق تحسين نوعية الخدمة… ويرجع الاهتمام المتزايد بالنفقات الختامية منذ مؤتمر فيينا 1964 حيث كلف المجلس التنفيذي بموجب الحكم C13 بإجراء دراسة عن سعر تكلفة توجيه ونقل وتوزيع بعائث بريد الرسائل ليتسني وضع طريقة أكثر عدالة تستعيض به البلدان عن مبدأ أيلولة الأجور .. ثم بمزيد من المتابعة خلال مؤتمر طوكيو 1969 ولوزان 1974 تم أقرار الحكم C53 الذي أرسي طريقة تعرفة تطبق على حساب النفقات الختامية يجب أن يراعي ليس فقط وزن الإرسالية، ولكن باقي عناصر تلك النفقات كنفقات النقل والمعالجة وفقاً لعدد البعائث المتضمنة في الإرساليات البريدية… ثم أضفي مؤتمر واشنطن 1989 التوصية C78 التي تدعو حكومات البلدان الأعضاء في الاتحاد لأن تخصص بالكامل إيرادات النفقات الختامية لخدمتها البريدية حتى يتسني لهذه الخدمة في آن واحد تغطية تكاليف معالجة البريد الوارد من الخارج وتشكيل الصناديق الاحتياطية اللازمة لتغيير بنيتها الأساسية.
.
والاقتراحات المعروضة جميعها وليدة رحم الحكم C46 الصادر من مؤتمر بوخارست 2004 والذي يضمن انتقالاً تدريجياً لجميع البلدان إلى النظام المستهدف، فهي تحدد بنسب مختلفة أسعار المراحل الانتقالية بلوغاً للنظام المستهدف، كما تحدد بتفاوت النسب الممنوحة للبلدان المستفيدة من صندوق نوعية الخدمة، في ظل اتفاق عام على ضرورة الانتقال للنظام المستهدف عاجلاً أم آجلاً، وبضرورة الالتزام بمعايير نوعية الخدمة كمعايير التوزيع وبلوغ أهداف الأداء، وبمعايير الالتزام بقواعد تضمن تخفيز الاشتراك في نظام قياس نوعية الخدمة الذي أعتمده الاتحاد البريدي العالمي.
.
ويبدو أن معظم البلدان النامية لم تكن على يقين من جدية تلك المشاريع، حيث ظلت لسنوات عديدة ومنذ أقرار مبدأ تعويض النفقات الختامية في انفاق ما تحصل عليه في تغطية ما لديها من عجز مالي، ومشاريع وتجارب فاشلة دون إدخال تحسينات حقيقية لرفع كفاءة وتحسين نوعية خدماتها البريدية، ولم يعد في استطاعة البلدان الصناعية والمتقدمة دفع المزيد دون الحصول على رفع كفاءة واستكمال خدماتها البريدية ببلد المقصد… ولم يعد باستطاعة البلدان النامية الآن رفض أو تأجيل التنفيذ …
.
أما المجموعة الثالثة : وتشمل نحو 48 اقتراحاً جميعها تتعلق بصياغات بعض المواد وبعض التعديلات الطفيفة المقدمة من مجلس الاستثمار وبعض البلدان، وأهمها التعديلات الخاصة بالمادة الثامنة الخاصة بطوابع البريد، والمادة الخامسة عشر الخاصة بالممنوعات، والمادة الواحدة والعشرين الخاصة بمسئولية الإدارات البريدية والتعويضات والمادة السابعة والعشرين الخاصة بإيداع بريد الرسائل في الخارج…
.
أما المقترحات الخاصة بالبروتوكول الختامي للاتفاقية فتبلغ نحو 23 مقترحاً منها أثني عشر مقترحاً متعلق بالاستعاضة عن مصطلح إدارة بريدية إلى بلد عضو و/أو مستثمر معين، والباقي تحفظات غير جوهرية من عدة بلدان على بعض بنود الاتفاقية.
.
وللحديث بقية …
ashraf_mojahed63@yahoo.com

السبت، 28 يونيو 2008

مقترحات مؤتمر البريد/ جنيف 2008


سيعـقد بمدينـة جنـيـف السـويسرية فيـما بيـن 23 يوليو و 12 أغسطس القادم مؤتمر البريد العالمي/ جيف2008 حيث كان من المقرر سلفاً انعقاده بمدينة نيروبي العاصمة الكينية، ولوقوع بعض الاضطرابات السياسية والأمنية بسبب الانتخابات الأخيرة هناك تقرر نقل المؤتمر لمدينة جنيف السويسرية...
.
هذا المؤتمر هو الرابع والعشرون منذ تأسيس الاتحاد البريدي العالمي في عام 1874، ويعقد كل أربعة سنوات، حيث يمثل عرس لممثلي الإدارات البريدية لأكثر من مائه وتسعون دولة يناقشون أهم القضايا البريدية الدولية، وينتخبون أعضاء مجلس الإدارة ومجلس الاستثمار، كما يتم التصويت على الدراسات والمقترحات المقدمة سواء من مجلس الإدارة ومجلس الاستثمار أو المقترحات المقدمة من البلدان الأعضاء.

بيـد أننــا نجــد تطــوراً ملحـوظـاً قــد أضــفي مــزيـداً من المعــلوماتــية على مقـترحـات ذلــك المؤتـمر، فبـعد أن كاـنت تلـك المقتـرحـات ترسل للبلــدان الأعضــاء بـوسائل البريــد التقلــيدية ويستغرق ذلــك وقتــاً طـويلاً، أصبــحت تنشر على الموقــع الإلكتــروني للاتحــاد، وبعد أن كانت مغلقة وحكراً على بعض العاملين بالإدارات البريدية، أصبحت متاحة للمهتمين والباحثين والدارسين، وفي متناول الجميع للتدقيق والتعليق ومعرفة كل ما هو جديد في مجال البريد الدولي...

هذه المقترحات تقدم وفق منظومة خاصة ينظمها بدقة متناهية دستور الاتحاد البريدي العالمي بالمادة 29 (تقديم الاقتراحات) والمادة 122 من النظام العام (إجراءات تقديم الاقتراحات للمؤتمر) وتنشر تباعاً على البلدان الأعضاء قبل انعقاد المؤتمر حتى يتسنى تدقيقها ودراستها تمهيداً للتصويت على محتواها بالمؤتمر العام... هذه الاقتراحات أوردت إرساليتها السادسة المعدلة من المكتب الدولي للاتحاد البريدي العالمي بتاريخ 23 يونيو 2008 متضمناً آخر تعديلات واقتراحات أرسلت من البلدان الأعضاء، حيث بلغت تلك الاقتراحات نحو خمسمائة اقتراح تقريباً مصنفة على هذا النحو:
اقتراحات ذات طابع عام ( 80 اقتراح بالكود P00-0000-00 )
اقتراحات الدستور ( 19 اقتراح بالكود P10-0000-00 )
اقتراحات النظام العام ( 47 اقتراح بالكود P15-0000-00 )
اقتراحات النظام الداخلي للمؤتمرات ( 6 اقتراح بالكود P19-0000-00 )
اقتراحات الاتفاقية ( 103 اقتراح بالكود P20-0000-00 )
اقتراحات الاتفاقية / البرتوكول الختامي ( 23 اقتراح بالكود P23-0000-00 )
اقتراحات نظام بريد الرسائل ( 95 اقتراح بالكود P25-0000-00 )
اقتراحات نظام بريد الرسائل/البرتوكول الختامي ( 5 اقتراح بالكودP27-0000-00 )
اقتراحات نظام بريد الرسائل / النماذج ( 11 اقتراح بالكود P29-0000-00 )
اقتراحات نظام الطرود البريدية ( 36 اقتراح بالكود P35-0000-00 )
اقتراحات نظام الطرود البريدية / النماذج (1 اقتراح بالكود P39-0000-00 )
اقتراحات خدمات الدفع البريدية / الاتفاق ( 50 اقتراح بالكود P40-0000-00 )
اقتراحات خدمات الدفع البريدية/ النظام المالي ( 20 اقتراح بالكودP45-0000-00 )

ولأن الكثيرين من العاملين بالحقل البريدي بالعديد من البلدان العربية لايتسنى لهم الإطلاع على تلك المقترحات أو معرفة نوعياتها وأقسامها والهدف منها، ولمزيد من نشر المعلومات البريدية الدولية، وكذلك بطلب من بعض الزملاء بالإدارات البريدية العربية، وددت إيضاح بعض المعلومات وتقييم بعض تلك الاقتراحات بشئ من التعليق والشرح المبسط، ضمن سلسلة متتالية من المقالات القادمة أن شاء الله، بما يحقق الإفادة للجميع، ويسعدني أن أتلقي تعليقاتكم وملاحظاتكم على العنوان الإلكتروني التالي بشأن تلك التعليقات..

وللحديث بقية ... عن الاتفاقية البريدية وبروتوكولها الختامي ..

الجمعة، 20 يونيو 2008

الكفاءات البريدية الدولية ..

.
كثير من العاملين بالحقل البريدي اليوم خاصة الشباب منهم لا يعرفون الكثير عن بعض الرجال الأفذاذ الذين صنعوا تاريخ البريد المصري والدولي، رجال حققوا نجاحات كبيرة وتفوق فاق كل تصور في مجال البريد سواء على الصعيد المحلي أو الصعيد الدولي، فالكثير منا لا يعرف محمد بك شرارة أو محمد إبراهيم صبحي أو ميشيل الراعي ...
.
التذكير بهؤلاء الرجال جعلني أسترجع تاريخاً طويلاً من تاريخ البريد المصري والبريد العربي... أسترجع قمم بريدية حقيقية لم يستطع أحد من الجيل السابق أو الجيل الحالي أن يلحق بهم، تذكرت هؤلاء القمم وأنا أتصفح موقع الاتحاد البريدي العالمي لمعرفــة آخر الأخبــار عن الاستعـدادات الخاصة بمـؤتمر البريــد العالــمي في يوليـو القــادم/ جنـيف 2008، فعندمـا وقعــت عيني على المذكــرة الرابعـة/المـؤتمر، الصــادرة بتاريـخ 20/5/2008 والخاصة بتشكيل الأمانة العامة للمؤتمر الرابع والعشرون، وبأسماء القائمين على مهام الأمانة العامة للمؤتمر لم أجد أسماء عربية إلا السيد/ عبد الإلة بوسته، أمين اللجنة الثامنة (التعاون من أجل التنمية) والسيد/ لحسن شويطر أميناً مساعدا لذات اللجنة ..
.
ودون الإسهـاب في التفـاصـيل التاريخـية أذكــر سـريعاً بهــؤلاء العظــماء الثــلاثة... فـالأول: محمـد بـك شــرارة، مـديـر مصـلحة البريــد اعتبــاراً مـن 10/1/1930 حـتى 1/6/1936، الذي استطاع بعبقريته الفذة وحكمته الفائقة أن يترأس ويدير أعمال المؤتمر العاشر للاتحاد البريدي العالمي بالقاهرة عام 1934، والذي من خلاله لفت انتباه العالم أجمع للتقدم التقني والحضاري للبريد المصري وتطور مشاريعة بصورة مضطردة وسريعة تواكب التقدم الأوروبي في هذا المجال، كما عمد إلى افتتاح متحف البريد المصري. والثاني: محمد إبراهيم صبحي، مدير عام هيئة البريد خلال الفترة من 4/7/1968 حتى 31/12/1974والذي حظي بتقدير كبير لحسن إدارته لهيئة البريد محلياً ودولياً فانتخب مديرا عاماً للمكتب الدولي للاتحاد البريدي العالمي خلال مؤتمر الاتحاد البريدي العالمي / لوزان 1974 ... أما الثالث: ميشيل الراعي، فكان أول مصري انتخب عام 1967 كأجنبي مديرا عاما للمكتب الدولي للاتحاد البريدي العالمي، حيث كان المنصب مقصوراً على المواطنين السويسريين فقط ..
.
هذه الكفاءات النادرة لم تكن وليدة الصدفة أو من رحم صناعي، بل كانت كفاءات نابعة من التوجه العام للإدارات البريدية العربية، التي كانت تعمل بجد واقتدار من أجل تفريغ باحثين بريديين وكفاءات دولية تستطيع التواصل مع العالم المتقدم ومسايرة ما يقدمونه من دراسات فنية وتقنية في مجالات الخدمة البريدية... أما الآن فالكفاءات في مجال البريد الدولي أصبحت محدودة للغاية، خاصة على المستوي العربي، ولا نجد إلا القليل جداً وباجتهادات فردية وشخصية، تحارب في كثير من الأحيان من عقول بالية ومتحجرة تزيد من تقوقعها، وانعزالها عن كل تطور وجديد في المجال البريدي.
.
فالبحث الفني والتقني في مجال الدراسات البريدية الدولية أصبح مهمشاً في كثير من البلدان العربية، رغم أهميته الكبري وحاجتنا إليه أصبحت ضرورة ملحة في ظل هذا الفيض الهائل من التحولات التقنية والاقتصادية للمنتج والسوق البريدي.. والتدليل على هذا التهميش تعزوه أسئلة كثيرة، مؤلمة أحياناً، والإجابة عليها قد تكون أكثر ألماً... فماذا قدم العرب خلال ثلاث أو أربع مؤتمرات بريدية سابقة؟ وأين هي الدراسات الفنية والمشاركات الإيجابية لمنظومة البريد الدولي ؟
.
ولا يسعنا إلا أن نشيد بكل من السيد/ عبد الإله بوستة، مدير إدارة التعاون من أجل التنمية، والسيد/ لحسن شويطر، رئيس برنامج تنمية الموارد البشرية والتدريب بالاتحاد البريدي العالمي، على جهودهما الرفيعة والمتميزة سواء على المستوي العربي أو المستوي الدولي كمديرين أكفاء بالاتحاد، ممثلين لكل العرب، رافعين للراية العربية في هذا المحفل الدولي الهام، ونتمني أن نشاهد مستقبلاً تقدماً عربياً في المجال البريدي الدولي يشارك ويسهم اسهاماً إيجابياً في المنظومة البريدية الدولية ..
.
وللحديث بقية ..
ashraf_mojahed63@yahoo.com

السبت، 31 مايو 2008

مريض يريدياً ..


خلال الأسابيع القليلة الماضية تعرضت لوعكة صحية جعلتني ألزم الفراش لفترات طويلة من الليل والنهار، شعرت خلالها ببعض الآلام الشديدة في رأسي وجانبي الأيسر، ورغم طمأنة الطبيب وتناول بعض الأدوية المسكنة، إلا أنني مازلت أشعر بمعاودة تلك الآلام من حين لآخر، أوصفها مجازاً بأنها قد تكون تهيج القولون العصبي أو التهاب المرارة أو تورم نفسي، أوصاف أعبر بها أحياناً عن حالة الغيظ والغضب وأحياناً عن اليأس والحسرة.
.
وطبيعي عندما يجلس الإنسان في فراشه لفترات طويلة، يجد فرصة للتفكير والتأمل فما حدث له في الماضي، ومجريات حياته في العمل ومع زملائه ورؤسائه وغيرها من هموم الحياة، تجدها جميعاً تمر أحياناً كشريط سينمائي يمر أمام عينيك، تمعن النظر فيما تحب أن تراه وتغمضها فيما لا تحب أن تراه. قد تكون طبيعة بشرية، فالإنسان يحب أن يتذكر فقط ما يريد أن يتذكره... لكن هذه المرة أردت وأن أنظر إلى سقف الغرفة أن أحدد بدقة أسباب هذا الغضب أو اليأس أو هذا التورم النفسي - سمها ما شئت- أردت تحديد المشكلة، لكي أسعي للعلاج، وأستشير فيه من هو أكبر سناً وخبرة، فوجدت أن السبب يرجع إلى أمرين لا ثالث لهما :
.
الأول : وهو سبب عام يشاركني فيه كثير من الناس، خاصة زملاء العمل أو العاملين بالقطاعات الحكومية المختلفة بوجه عام، ويرجع بالأساس إلى ما نلاقيه عموماً من معاملة وتجاهل بعض الرؤساء أو الزملاء بصفة يومية... ولك أن تتخيل أن رئيسك في العمل يمنعك من مزاولة عملك، أو أن ينشر عنك الأكاذيب، أو يحرض عليك الزملاء والرؤساء الآخرين، أو يقف حجر عثرة أمام حصولك على حقوقك المالية والأدبية، أو يتلاعب بما تقدمه من أفكار واقتراحات، أو يتلذذ بإثارة أعصابك واستفزازك بصورة مستمرة لتخرج عن طبيعتك، أو يتفنن في خلق لك المشاكل ووضع أمامك العراقيل والخوازيق بصفة يومية... ولك أن تتصور أنني أقابل كثير من الزملاء وهم مطأطئ الرأس، تشعر بأنفاسهم المكسورة، وعقولهم المدلاة على صدورهم، تشعر بهم من نبض أيديهم ونظرات عيونهم، فبعضهم يعاني ما أنت فيه، وبدرجات متفاوتة، تشعر بالتهامس فيما بينهم أو بالحديث معك، فالذي يحدث لك يحدث لهم، وكلنا يا عزيزي في الهم سواء... أو تتخيل أنك لا تستطيع أن تنجز عملك الذي تحبه بالطريقة الصحيحة، أو تنجز الحد الأدنى الذي يحقق طموحك المهني، أو ما يدفعك لتحقيق أمنياتك بالتقدم في العمل وإنجازه بصورة أفضل... هل تتخيل يوماً أن يطلب منك أن تكون كالكرسي الذي تجلس عليه، أو أن يطلب منك أن تلغي عقلك وضميرك لتصبح خارج نطاق الخدمة وأنت في عمر الشباب... كل هذا بالتأكيد سوف يزيد آلام مرضك ويضاعف أوجاع جسدك...
.
والسبب الثاني : وهو سبب خاص جداً، متعلق بي شخصياً لكوني أعمل بمجال أحبه، ولا أستطيع الانقطاع عن التفكير فيه ولو لبرهة واحدة وهو البريد... أو بالأخص الدراسات البريدية الدولية والحسابات الدولية، الذي جعلني منفتحاً على العالم الخارجي، مدققاً لكل ما يرد إلي من الإدارات البريدية الأجنبية، متصفحاً وباحثاً بصفحات الانترنت عن كل ما هو جديد وتقني في مجال البريد ونشاطه الدولي... تفكير مستمر ومتواصل للبحث عن المعلومات البريدية، والأنشطة المرتبطة به، لدرجة أنني لا أستطيع النوم إلا بعد تصفح الاتفاقية البريدية الدولية أو نظامها التنفيذي أو ما يصل إلى من استقصاءات أو نشرات الاتحاد البريدي العالمي... هذا التفكير والبحث جعل مدار حديثي اليومي عن البريد ونشاطه وأهميته وتاريخه ووسائل نقله وتطوره عبر السنين .. عن الطوابع البريدية وأشكالها وتاريخها وأهميتها، عن مؤتمرات البريد العالمية ومقرات انعقادها وما تمخض عنها من اتفاقات ومعاهدات ..
.
مريـض بريــدياً !!.. هذا المرض يزداد يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة بسبب ما أتصفحه يومياً عما يحدث من تطورات هائلة في مجال البريد، مقارنة بما نحن فيه، فعندما تعرف أن البريد البرازيلي يقدم من خلال 8000 مكتب بريد وعلى شبكة الانترنت خدماته للتصدير الخارجي لمنتجات نحو أكثر من 6000 مؤسسة صغيرة ومتوسطة، بكل ما فيها من خدمات لوجيستية وإجراءات جمركية ... وعندما تعرف أن البريد التونسي يسجل ريادة معلوماتية من خلال ربط الرسائل المرسلة بواسطة الهاتف المحمول SMS وبالبريد الإلكتروني عبر الهاتف المحمول MMS معلومات عن بعائث البريد السريع ويضمن الإشعار بالاستلام لحوالات الدفع ويبلغ معلومات عن التغيرات في حسابات التوفير والحسابات البريدية الجارية عبر الهاتف ... أو تعرف أن إدارة بريد قطر وبالتعاون مع إدارة بريد الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية أقدمت منذ مارس الماضي على قياس مدة توجيه بريد الرسائل المتداول فيما بينها بفضل شرائح تقنية التعرف بواسطة الترددات الراديوية RFID التي يتم قراءتها عن بعد ودون اتصال بصري عند المرور عبر سبع بوابات أو بفضل أجهزة قراءة هذه التقنية المركبة في منشآت معالجة البريد ... أو تعرف أن إدارة بريد المملكة العربية السعودية من خلال مشروع واصل أنها ركبت نحو خمسة ملايين صندوق بريدي منزلي لتسهيل مهام التوزيع وضبط دقته إلكترونياً .... كل ذلك بالتأكيد يجعلك تزداد مرضاً ويجعلك تلزم فراشك وتتورم نفسياً وعقلياً... أدعو لي بالشفاء..
.
وللحديث بقية أن شاء الله ...

السبت، 24 مايو 2008

خصخصة الخدمات البريدية ..

.
من منا لا يعرف طلعت حرب !!...
.
سألتني ابنتي -عشر سنوات- هل طلعت حرب رجل وطني؟
.
قلت لها بالطبع فهو أبو الاقتصاد المصري، وصاحب الفضل في تحرير الاقتصاد المصري من السيطرة الأجنبية، وهو من قام بتأسيس بنك مصر كأول بنك مصري بأموال مصرية خالصة، وهو من أسس شركات عديدة وطنية مثل شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، وشركة مصر للنقل النهري، وشركة مصر للملاحة البحرية، وشركة مصر لأعمال الإسمنت المسلح، وشركة مصر للصباغة، وشركة مصر للمناجم والمحاجر، وشركة مصر للألبان والتغذية، وشركة مصر للكيمياويات، وشركة مصر للفنادق، وشركة مصر للتأمين، وشركة مصر للمصنوعات المصرية، وشركة مصر للطيران ، كما أسس أول مطبعة مصرية...
.
قالت في تعجب !!.. وهل من يقوم ببيع هذه الشركات وطني أيضاً ؟ .. لم أستطع الرد، وظللت صامتاً عاجزاً عن الإجابة، لأنني لست متخصصاً في علم الاقتصاد أو على دراية كافية بظروف وملابسات كلا الطرفين ..
.
بيد أن موضوع الخصخصة قد طرح نفسه بقوة خلال العقدين الماضيين، وعلى اهتمام بلدان العالم سواء كانت متقدمة أو نامية، فعبارة الخصخصة مصطلح اقتصادي لكلمة privatization ولا يوجد لها مفهوم دولي متفق عليه بين البلدان، حيث يتفاوت هذا المفهوم من بلد لآخر .. ويمكن القول أنها فلسفة اقتصادية حديثة ذات استراتيجية لتحويل عدد كبير من القطاعات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية التي لا ترتبط بالسياسة العليا بالدولة من القطاع العام إلى القطاع الخاص، فالدولة يجب أن تهتم بالأمور السياسية والإدارية والأمنية التي ترتبط بسياستها العليا، أما سائر النشاط الاقتصادي فيمكن أدائه من قبل القطاع الخاص في إطار قوانين وأنظمة تضعها الدولة ..
.
أما عن البريد ، فكان كما هو معروف أحد الركائز الأساسية لبنيان الدولة منذ أن ظهرت بنظمها الإدارية والسياسية قديماً وحديثاً، هذه الأهمية لها شواهدها، فالخديوي إسماعيل على سبيل المثال أحس بأهمية شركة البوستة الأوروبية التي كانت تسيطر على أعمال البريد في مصر، فأصر على شرائها من صاحبها موتسي بك عام 1865 لتصبح ملكاً للدولة المصرية، دليلاً على أهمية هذا المرفق وارتباطه بأمور الدولة وأسرارها..
.
وحديثاً وخلال الأعوام القليلة الماضية برزت فكرة خصخصة الخدمات البريدية بدول عديدة كان أبرزها وأكثرها ضجة خصخصة البريد اليابانى، فالحكومة اليابانية بدأت مؤخراً خطة طويلة الأمد لخصخصة البريد بعد سنوات من الجدل السياسي، وبعد الحملة التي شنها رئيس الوزراء الياباني السابق كويزومي، الذي جعل من إصلاح البريد المسألة الرئيسية في برنامجه الانتخابي، حيث أعلن بعد فوزه بالانتخابات عام 2005 وموافقة مجلس الشيوخ الياباني على خطة لتقسيم هيئة البريد إلى أربعة كيانات منفصلة هي الصيرفة والتأمين والبريد وخدمة العملاء، والبريد الياباني كما هو معروف من أكبر الكيانات البريدية في العالم حيث يضم نحو خمسة وعشرون ألف مكتباً وتبلغ أصوله نحو ثلاثة مليارات دولار.... كما هناك عملاقاً ألمانياً حقق أرباحاً هائلة خلال السنوات القليلة الماضية يجب أن نشير إليه أيضاً وهي شركة الخدمات البريدية الألمانية "دويتشه بوست" التي واكبت تحولات السوق العالمي في إطار العولمة الاقتصادية وقيام الاحتكارات الضخمة وذلك بتنويع نشاطاتها وتوسعها إلى السوق الخارجي بشراء سلسلة من الشركات في مجال النقل البريدي واللوجستي مثل شركة دانزاس السويسرية و دي اتش إل للنقل السريع وشركة ايربورنه الأمريكية وأخيراً شركة الخدمات البريدية البريطانية أكسل ..
.
أما الإدارات البريدية العربية فمازالت لم تنزلق قدميها بعد لسلم الخصخصة، فنجد معارضة عمالية ونقابية ببعض الإدارات كإدارة بريد المغرب والبحرين والأردن والسودان، بينما تعيد دولة الإمارات العربية إعادة هيكلة مؤسساتها البريدية فأنشئت شركة قابضة للبريد تضم عدة شركات تضوي تحت لواء الشركة الأم، وهناك إدارات أخرى كإدارة بريد السعودية تسير بخطي نحو الشراكة والاندماج مع إدارات بريدية أكثر خبرة وتقنية...
.
واللافت للنظر أن دولاً ينظر إليها على أنها قاطرة النظام العالمي الجديد، وتدفع المؤسسات الاقتصادية الدولية للضغط لمزيد من التحول للقطاع الخاص بمختلف البلدان النامية عجزت عن خصخصة قطاع البريد لديها، فنجد بريطانيا على سبيل المثال رغم تجربتها الناجحة في مجال الخصخصة، فقد حاولت الحكومة البريطانية خصخصة البريد بنشر ما يعرف بالكتاب الأخضر عام 1994، الذي أوصي ببيع أسهم 51% من أسهم البريد الملكي، ولكن معارضة النقابات العمالية وأعضاء بمجلس الشيوخ أفشلت المشروع واستعاضت عنه الحكومة عام 1995 بإجراء إصلاحات إدارية ومالية لتدعيم استقلال البريد... وكذلك خدمة البريد الأمريكي الذي يمتلك احتكاراً لبريد الدرجة الأولي متحصناً بقوانين الاكسبريس التي تحرم على الأفراد والمؤسسات تقديم خدمات نقل البريد الدرجة الأولي، وبذلت محاولات عديدة سعياً وراء إلغاء تلك القوانين بحيث تتمكن الشركات الخاصة من الدخول للمنافسة للخدمة البريدية الحكومية، ولكن جميع تلك المحاولات كانت تصطدم باحتجاجات عنيفة من قبل اتحادات موظفي البريد، ومن مديري خدمات البريد التنفيذيين، ومن المجتمعات الريفية التي تعتقد بأنها ستُحرم من الخدمات البريدية.
.
ورغم كل ما يقال عن الاختلال الهيكلي للمؤسسات البريدية بالبلدان النامية وبكل ما تعانيه من خسائر مالية وقصور إداري لا يمكنها من مسايرة التقدم الهائل في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، فان التخوف من نظام العولمة الاقتصادي التي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بثالوثه المؤسس: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والذي يهدف إلى تكريس قيم الغرب وتنمية الحياة الاقتصادية وفقاً لمبادئها وقيمها لتحقيق غاية نهائية ووحيدة تتمثل في أحكام السيطرة على البلدان النامية والفقيرة لمزيد من الهيمنة ونهب ثرواتها الطبيعية ولضمان مزيد من الترف وارتفاع معيشة شعوبها ولو على حساب باقي الدول، يجعلنا نشد على عضد تلك البلدان النامية وهي قادمة على مؤتمر البريد العالمي/ جنيف 2008 لكي لا تنساق لخصخصة خدماتها البريدية بحجة التطوير والتحديث ومواكبة التكنولوجيا على حساب تقديم الخدمات البريدية لمواطنها العادي، الذي سوف قد يحرم حتى من حق التراسل البريدي في ظل ما يلاقيه الاتحاد البريدي العالمي من ضغوط النظام العالمي الجديد...
.
وللحديث بقية ..

الأحد، 4 مايو 2008

طوابع الهولوكوست والمعايير المزدوجة



في بادرة مشتركة، أصدرت منظمة الأمم المتحدة وإسرائيل، طابع بريدي لتخليد ذكري المحرقة اليهودية "الهولوكوست"، وذلك في يوم الذكري العالمي لتخليد المحرقة 27 يناير 2008، حيث أعلنته المنظمة الدولية عام 2005 يوماً عالمياً لأحياء ذكري ضحايا الهولوكوست، والذي يصادف ذكري تحرير معسكرات الموت النازية في أوروبا عام 1945 وقد تم الاحتفال بإصدار الطابع بمركز الأمم المتحدة بنيويورك، وتصميم الطابع تكتسيه القسوة الممثلة بالإسلاك الشائكة واللــون الأسود، ينبـثق منها الأمل بالزهور البيضاء والعــود الأخضر، وقد دون على وجه الطابع اقتباسات من أقوال الأمين العام للأمم المتحـدة بان كـي مــون "إنكـار الحقائق التاريخـية، ولاسيما بالنسبة إلى موضـوع هـام مثل المحـرقة، أمـر غير مقبول على الإطلاق، خاصة إذا كانت الدعـوة إلى تدمير أي دولة أو أمة"... سوف يسوق للطابع بعـدة أشكال وأحجام ببعض البلـدان التي بها مقرات للأمم المتحدة وهي نيـويورك وجنيف وفيـينا وإسرائيل http://www.un.org/holocaustremembrance/stamp08.shtml
.
و"الهولوكوست" أو الكارثة والتي تعني بالعبرية شؤآة، تطلق على الإبادة الجماعية والتصفية العرقية التي حلت بالشعب اليهودي إبان الحكم النازي في أوروبا في الفترة من ديسمبر١٩٣٣ عندما أصبح هتلر مستشاراً لألمانيا وحتى مايو ١٩٤٥، وهي كلمة يونانية الأصل holókauston وتعني الحرق الكامل للقرابين المقدمة لخالق الكون، أو تعني التدمير حرقاً، كما تشير بذلك الموسوعة البريطانية، ولكنها في الأصل مصطلحاً دينياً يهودياً ذكر في التوراة يشير إلى القربان الذي يُضحَّى به للرب ويُحرق حرقاً كاملاً غير منقوص على المذبح، حيث يعد من أكثر الطقوس قداسة عند اليهود، حيث يقدم تكفيراً عن خطيئة الكبرياء... وقد استعملت كلمة هولوكوست لأول مرة لوصف طريقة معاملة هتلر لليهود في عام 1942 ولكن الكلمة لم تلق انتشارا إلا مع بدايات السبعينيات، حيث أصبحت تستعمل حصريا لوصف حملات الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود تحديداً أثناء الحرب العالمية الثانية.
.
وعلى الرغم من اختلاف الآراء حول إثبات أو إنكار حقيقة الهولوكوست، فأن الثابت أن العديد من المؤرخين والكتاب الذين أثبتوا عدم حقيقة تلك المحرقة، أو ما وقع بها من تضخيم وتهويل لأقامة الدولة اليهودية، بدءاً من المحامي الأمريكي فرانسز باركر يوكي عام 1946 وحتى المؤرخ البريطاني ديفيد أرفنك عام 2006، حيث تلقوا المزيد من المضيقات أو السجن، بسبب تلك الآراء المناهضة للروايات اليهودية... إلا أن الحديث عن الهولوكوست ظهر مؤخراً بالمحافل الدولية وبطريقة علنية بعدما علق الرئيس الإيراني أحمدي نجاد "بأن الهولوكوست ما هو إلا أسطورة أستغلها الأوربيون لإقامة الدولة اليهودية في قلب العالم الإسلامي .. وأضاف إن الأوروبيين هم الذين ارتكبوا جرائم ضد اليهود، وعلى الولايات المتحدة أو كندا أن يمنحوا جزءا من أرضهم لتأسيس دولة لليهود، وتسأل لماذا يدفع الشعب الفلسطيني المقهور الثمن؟ أنتم من يجب أن يدفع الثمن ؟ ... وعلى الفور كانت ردة الفعل الغاضبة من الولايات المتحدة وأوروبا، ومجلس الأمن بأعضائه الخمسة عشر الدائمين والمؤقتين الذي دان تصريحات الرئيس الإيراني، وفي نوفمبر 2005 مررت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يرفض أي إنكار للهولوكوست كواقعة تاريخية على نحو شامل أو جزئي..
.
أما فلسطين التي تغتصب منذ عام 1922، وعشرات المذابح الجماعية التي وقعت بها،http://www.aljazeera.net/NR/exeres/2021433A-A609-4DEC-8B75-CAD94D3E6525.htm وانتهاك مساجدها وكنائسها على مشهد من العالم، فلا يتحرك له أحد، فمحارق اليهود وأفران الغاز المزعومة حرام وجريمة كبري لا يجوز إنكارها، بل يجب التذكير بها بمدراسنا وجامعاتنا، حتى أصبحت ثقافة الهولوكوست ثقافة كونية لا يمكن ردها أو إنكارها، أما محارق دير ياسين وصبرا وشاتيلا وحصار غزة، فهي في عرف العالم المتحضر حلال ويمثل دفاعاً شرعياً عن النفس.
.
ازدواجية نشعر بها صامتين، تزيدنا جراحاً وألماً فوق جراحنا، لا تظهر إلا إذا كان العرب أحد أطرافها، رغم كثرتهم العددية وثرواتهم الطبيعية الضخمة، فليس من حق العرب امتلاك التكنولوجيا النووية، وليس من حقهم إنشاء سوق اقتصادية مشتركة، وليس من حقهم حتى التعبير عن رفضهم الإساءة إلى رسولهم الكريم صلي الله عليه وسلم، بحجة حرية التعبير... وتتعدي تلك الازدواجية حتى في المجال الرياضي، ونتذكر جميعاً واقعة اللاعب الغاني جون باستيل الذي رفع علم إسرائيل أثناء مباراة غانا والتشيك بكأس العالم بألمانيا عام 2006 فرحاً بفوز بلاده، رغم عدم مشاركة إسرائيل، مقارنة بلاعبنا الخلوق محمد أبو تريكة وما تعرض له من هجوم من الصحافة الإسرائيلية والأوروبية والأمريكية وما لاقاه من تهديدات وتحذيرات، لمجرد أنه أظهر تعاطفاً مع المحاصرين من أبناء غزة، والذي يتم معاقبتهم عقاباً جماعياً وقصرياً يتنافي مع جميع المواثيق والأعراف الدولية.
.
والواضح أن المشكلة ليست فيمن يفرضون هذه الازدواجية، بل فيمن يتقبلونها مبتسمين متعللين بالوضع الأقليمي والدولي !!.. وكلي ثقة وأمل في أن نعمل لتذكير العالم لأصدار طابع بريدي تصدره الأمم المتحدة يكون رمزاً لنضال الشعب الفلسطيني، يذكرنا دائماً بالهوية العربية والإسلامية لهذا البلد الجريح المغتصب، يذكرنا دائماً برفض هذه الازدواجية، يذكرنا ويذكر أبنائنا حتى ولو من خلال طابع !!
.
وللحديث بقية أن شاء الله ...