الأربعاء، 1 يوليو 2009

التوجه للبحرين ... حكاية قصيرة !!..


أخي شـاعر موهـوب له العـديد من القصـائد الشـعرية، نشر بعضها بديــوان صـغير تحت عـنوان "التوجـه للبحـر" ضمن سلسلة إبداعات التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة ، دائماً ما أتصفحه متأملا ما بداخله من قصائد شعرية، أرتبط ببعضها بذكريات وجدانية، بيد أنني عندما تصفحته بتلك المرة وقفت طويلاً عند قصيدته الأخيرة بعنوان "سفر" ربما لأنني كنت أستعد للسفر، وسافرت بالفعل منذ أيام قليلة أنا وعائلتي للعمل بدولة البحرين بعد فترة عصيبة أمضيتها بالعمل بالبريد المصري ...
.
يقول في تلك القصيدة بمقطعها الأول ...
كانفلات البخار الذي عذبته الزجاجة
كان ارتحالي
صفير القطار التوي في الأذن
لم يعرف غير عزف المصير الممل
ففيم البقاء إذن ؟
****
وبمقطعها الأخير ...
البخار الذي عذبته الزجاجة قد صار حراً ...
يرحل عن ساحة العقل دوامة الذكريات
ينهار قلبي شرائح
لكنني يا أيها الوجه أيقنت أني بخار القطار الرمادي
أيقنت أني إلى بقعة الوهم نازح
فماذا تخبؤه لي من نبؤات يا أيها الوجه
إني تعلمت ألا أصارح
****
ويبدو أنني وأخي نتشابه في كثير من الوجوه على اختلاف ملامح الوجه والتوجه ، فهو شاعر يعيش بشعره ومن أجله ، يدافع عن لغتنا الجميلة دفاع المؤمنين ، يحلم ، يتألم ، يناجي ، يكتب ، يجول بشعره في الندوات والصالونات والاحتفالات ، يعيش حياة الشعراء، بخيالاته الواسعة ، وبكتبه المتناثرة ، وأوقاته المتقلبة ، فلا يكاد يفرق بين الليل والنهار، دائماً ما تراه حاضناً قلمه كالفارس الذي يحمل سلاحه... أما أنا فلم أستطع إلا عيش الحالمين بأفكار مدينتا الفاضلة ، أحاول القراءة والكتابة ، ولكني أتوقف ، أحاول من جديد وأستعيد نفسي ثم أتوقف وأحاول ...

وللتناغم معه والتناجي بأنفاس الحالمين المتألمين ، سوف أروي لكم حكاية قصيرة ، حكاية حقيقية نراها كل يوم في حياتنا ، تزداد وتتسع وتنتشر وتكاد تخنق من حولنا الهواء ، حكاية جعلت سفري لدولة البحرين كالبخار المنفلت الذي عذبته الزجاجة ...
.
فهي حكاية عشرات بل مئات ممن يعملون بالهيئات والجهات الحكومية ، حكاية رجل شارف على الخمسين من عمره ، يعمل منذ تخرجه من الجامعة بإحدي الجهات الحكومية، يعيش هو وأسرته على ما يتقاضاه من راتب وبدلات قليلة ، يتابع الصحف اليومية بشغف ليعرف نسبة العلاوة الاجتماعية المقررة سنوياً حتى يطمئن، يتابع أسعار السلع الأساسية، يشغل باقي يومه في شراء متطلبات أسرته واحتياجات أبنائه، لا يحلم بما لا يمكله يده، أحياناً تصادفه بعض الأزمات المالية ولكنها تمر بفضل الله تعالي ثم بفضل زوجته وحسن تدبير شئون المنزل، يعمل باجتهاد وجد وتفاني في العمل، يفكر دائماً في تحسين وانجاز عمله بصـورة أفضل ، فهو يعتقد أن هذا الاجتهاد والتفاني وسيلته للترقي والتقدم، إلا أنه دائماً لا يحصل على حقوقه، دائماً ما تختطف مجهوداته وانجازاته، يري الإسراف والأهمال والتسيب، يري الأثرة لبعض العاملين المقربين المدللين، يري العجب في التوظيف والترقي والمنح والحـوافز والبدلات، يري وعليه أن يصمت... ويصمت حتى عجز لسانه عن الحركة ، فهو قابع بين المطرقة والسندان، بين الاحتياج لراتبه البسيط ليواصل معيشته ومعيشة أسرته وبين عجزه وصمته الذي يمزق جنبات صدره...

هذه حكاية حقيقية واقعية لرجل أعرفه ، رجل صامد وصامت وصابر ...
فهو لم يستطع التوجه إلى البحر كأخي الشاعر...
ولم يستطع مثلي التوجه للبحرين ...
لم يستطع إلا أن يتوجه إلى الله راجياً أن يرفع عنه ظلم العباد ...
.
وللحديث بقية أن شاء الله ...
Ashraf_mojahed63@yahoo.com

السبت، 21 فبراير 2009

أدب الرسائل البريدية ..


<ن والقلم وما يسطرون> ، <اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم> آيتان من كتاب الله الأولي صدر سورة القلم والثانية من سورة العلق تشيران إلى أهمية القلم والكتابة، فيروي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: إن أول ما خلق الله خلق القلم، فقال له: أكتب، قال: يا رب وما أكتب ؟ قال: أكتب القدر فجري القلم في تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد... فالله أقسم بالقلم لإيضاح ما أنعم به على خلقه من فضل ، وعلمه الكتابة التي لولاها ما دونت العلوم ولا عرف أخبار الأولين ومقالاتهم ولا حفظ إنتاج الإنسان الفكري ولا ميراثه الثقافي والعلمي من الاندثار .
.
فالكتابة وقف من الله تعالي، علمها آدم عليه السلام ومنحها للإنسان، فعرفها الإنسان وتعلمها واهتدي بها كلغة يتعايش بها مع غيره من بني البشر... فقبل 5000 عام قبل الميلاد ابتدع الإنسان في بلاد الرافدين الكتابة على الألواح الطينية والحجرية بما عرف باللغة المسمارية، حيث استخدمها السومريون للتعبير بها عن لغاتهم السومرية القديمة، وكانت ملائمة ومتوافقة لكتابة اللغة الاكادية والأشورية التي كان يستعملها البابليون والآشوريون، وظهرت كذلك اللغة الهيروغليفية لأول مرة في مصر القديمة مستخدمة الرموز والصور المستوحاه من الطبيعة ككتابة متداولة على المقابر والتماثيل والألواح الحجرية... ثم ما لبث أن ظهرت الأبجديات المكتوبة ببعض الحضارات القديمة كالأبجدية الفينيقية والأبجدية الإبيلاوية ببلاد الشام.
.
أما العرب فلم يعرفوا الكتابة إلا حين كان لهم اتصال بالمدنية، وذلك نتيجة هجرتهم من قلب الجزيرة العربية إلى إطرافها المتحضرة، وفي هذه البقاع خرج العرب عن طبيعتهم البدوية وسلكوا سبل الحضر في العيش ومظاهر العمران، حيث نشأت الكتابة أول ما نشأت بمدينة البتراء عاصمة مملكة النبط، حيث ابتدعوها بأنفسهم اشتقاقاً من الكتابة الآرامية أو النبطية، والتي كانت تتألف من 22 حرفاً هجائياً صامتاً، والتي سرعان ما تعلمها الأعراب النازحون من أقصي شمال الجزيرة حتى حضرموت اليمن... ثم مرت هذه الكتابة بمراحل عديدة حتى تحولت من صورتها النمطية الخالصة إلى صورتها المعروفة الآن، وذلك بإدخال ستة أحرف عرفت بحروف الروافد وهي ث خ ن ض ظ غ، فصارت أبجديتهم 28 حرفاً زادت من إثراء اللغة العربية بقيمتها الشكلية والصوتية، ثم ما لبثت أن تم ترتيب الحروف الأبجدية على النحو المعروف، وذلك بجمع الحروف المتشابهة في الرسم مع بعضها، على يد نصر بن عاصم الليثي المتوفى عام 89 هجرية، ويحيي بن يعمر الوسقي العدواني المتوفى عام 129 هجرية.
.
وظلت الكتابة العربية على حالة من البداوة الشديدة ولم يكن لدي العرب من أسباب الاستقرار ما يدعو إلى الابتكار والتجديد إلا عندما أصبحت لهم دولة فيها مراكز ثقافية تنافس بعضها البعض على نحو ما حدث بالكوفة والبصرة والشام ومصر، حيث فرغ العرب بعد أن فتح الله عليهم البلاد أثناء العصر الأموي للابتكار والإبداع، فظهرت الكتابات على الآنية والتحف وأعتني بكتابة المصاحف، ثم ما لبث أن ترسخت الكتابة في العصر العباسي وازدهرت الكتابات وتنوعت أشكالها ومقاصدها، وظهرت الأدبيات من شعر ونثر وقصص وغيرها من ألوان الأدب العربي .
.
وأدب الرسائل شكل رافداً مهماً في تراثنا الأدبي، ويعد من أقدم الأنواع الأدبية النثرية وأعرقها عند الأمم القديمة والحديثة على السواء، ولعب بما احتوي من أفكار ورؤى ومشاعر وجدانية دوراً مؤثراً في الكشف عن جوانب مهمشة وخفية في تراثنا العربي، كما عرفه الأدب العربي لوناً فنياً بديعاً يتضمن خواطر وأفكار، فالرسالة الأدبية تتوج بأدوات فنية لفظياً وإيقاعياً وصورياً تشد الانتباه وتوجه العقل وتحرك المشاعر... أن أدب الرسائل له نكهة خاصة متميزة يبوح فيها المرء عن مكنونات القلب بعفوية وبساطة، دون تحفظ أو مواربة .
.
ويجب أن نذكر أن تلك الرسائل صنفت على أشكال ثلاثة، فالأول: عرف بالرسائل الديوانية التي تتم بين مختلف دوائر الدولة أو بين الدول المختلفة، وأشهرها رسائل الرسول صلي الله عليه وسلم إلى ملوك زمانه التي دعاهم فيها إلى الإسلام، حيث كانت رسائل صريحة وموجزة خالية من فضول الكلام، والثاني: الرسائل الأخوانية، والتي يكتبها الأدباء والمحبين والعشاق وأشهرها رسائل بديع الزمان الهمذاني بمقاماته المعروفة، ورسائل العشاق لابن حزم الأندلسي في طوق الحمامة، والثالثة الرسائل العلمية والفكرية كالرسالة التدميرية لأبن تيمية.
.
والآن لماذا أختفي أدب الرسائل من حياتنا الأدبية ؟!.. لماذا أصبحت الرسائل الأدبية البريدية مهمشة ؟!.. الإجابة الظاهرة ترجع هذا الانحسار إلى التطور في سرعة الاتصال، فقد حل الهاتف والفاكس والكمبيوتر والانترنت محل الرسائل البريدية بأسلوبها القديم، وأضحي من السهل تبادل الكلمات والرسائل القصيرة دون عناء أو مشقة، أما باطنها فهو ضعف اللغة العربيـة والكتـابة بوجـه عـام، والوتيرة السريعة لحيـاتنا اليومـية التي تخطـف الرؤية والتأمـل، فلم يعـد يتـاح للمرء أن يجلس ويكتب كمـا كان يفعـل القدمـاء، كمـا أن واقعنـا الثقافـي والأدبي أصبح أكثراً ركـوداً من اقتصـادنا وسط ما يحيط المبدعين والكتـاب من ضغـوط وضروريات الحياة.
.
فالتقدم التكنولوجي بات نقمة، فقدنا معه الشعور بالعواطف وما يجيش به الصدر من كلمات بين السطور ومشاعر فياضة تدمع لها العين فرحاً وحزناً ... فالرسائل البريدية التي كانت طريقة للتواصل مع الأهل والأصدقاء، وذات رونق خاص في التعبير عن المحبة والاشتياق بما فيها من خطوط ورسم للحروف والكلمات، يتعايش معها القارئ بتواصل وجداني وأدبي مع مرسلها، وربما يعود لقراءتها مرات ومرات لتؤنس وحدته وتخفف عنه عزائه وحنينه، أصبحت الآن كشيء مضي، نحدث عنه أبنائنا وأحفادنا الذين سيسألون بدهشة واستغراب عن ماهية الرسائل البريدية !!..
.
وللحديث بقية ...
ashraf_mojahed63@yahoo.com

رسائل بريدية إلى الله !!..


صـدق أو لا تصـدق !!… عندما قرأت وسمعت هذا الخبر، ظننت على الفور أنها نكتة من نكت هذا الزمان، ولم أهتم به كثيراً إلا بعد تصفح بعض المواقع الإلكترونية، خاصة موقع التلفزيون الإسرائيلي وصحيفة هاأرتس الإسرائيلية، والتأكد من صحته، حيث تبين بالفعل أن إدارة البريد الإسرائيلي تتلقي آلاف البعائث البريدية المرسلة إلى الله من داخل المجتمع الإسرائيلي وخارجه، وتقوم بتحويل تلك الرسائل بحشرها داخل حجارة الحائط الغربي للمسجد الأقصي والمعروف بحائط البراق، والذي يسميه اليهود الحائط المبكي… وتلك المهمة يقوم بها حاخام الحائط الغربي شموئيل رابينوفيتش بنفسه استجابة لطلبات مرسلي تلك البعائث ظناً منهم أن رسائلهم وما تحمله من طلبات وأمنيات سيقرأها الله بعد حشرها دخل هذا المكان !!..
.
وأضافت صحيفة هاأرتس نقلا عن الناطق بلسان سلطة البريد الإسرائيلي، إسحاق راف، قوله تصل إلينا رسائل من اليهود في جميع أنحاء العالم موجهه إلى الرب، معظمها من الشباب وتلاميذ المدارس، حيث يتم فصل الرسائل المعنونة إلى الرب في كومة خاصة، وتركز غالبية تلك الرسائل على طلبات من اليهود للرب بحل مشكلاتهم، كطلب الشفاء من الأمراض، أو إرسال الأموال، أو التوفيق بين المحبين، ثم يأتي طلب المغفرة للذنوب في المرتبة الأخيرة، ونقـوم بختمها بخـاتم البريد، ومن ثم نضعها بين أحجـار الحـائط الغربي، وتشير إحصائيات من داخل البريد الإسرائيلي بارتفاع معدل تلك الخطابات خلال مايعرف برأس السنة العبرية يوم كيبور(عيد الغفران)، إذ وصلت في اليوم الواحد لنحو أكثر من ألف رسالة موجهة إلى الرب…وأعلن أحد الحاخامات اليهود أنه أصبح بالإمكان الآن إرسال الرسائل إلى الرب مباشرة عبر البريد الالكتروني حيث يتم طبع تلك الرسائل ثم حشرها في شقوق الجدار ليستجيب الرب لمطالب رعاياه !!..
.
وقصة هذا الحائط غير معروفة على وجه الدقة تاريخياً، حيث تعود أحجاره إلى عصور مختلفة، فالأحجار المنحوتة التي في أسفله تعود إلى زمن هيرودوس، تعلوها أحجار غير منحوتة تعود إلى العصر الروماني، أما الطبقات العلوية من الحجارة فبنيت منذ نحو خمسمائة سنة فقط ، حسب رأي أغلبية علماء الآثار… ويتنازع علي أحقيته كل من المسلمين واليهود، فيسميه المسلمون حائط البراق تيمناً إلى قيام الرسول محمد صلي الله عليه وسلم بربط براقه في حلقة صغيرة بتجويف بالحائط وذلك أثناء رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ويعد جزء من الحرم القدسي الشريف، بينما يسميه اليهود الحائط المبكي، ويزعم غالبية حاخامات اليهود أن هذا الحائط هو الأثر الأخير الباقي بعد خراب هيكل سليمان، ومحظور على اليهود الدخول إلى الحرم القدسي منذ خراب الهيكل، وأنه أقرب نقطة من الهيكل يمكن لليهود الصلاة فيها حسب الشريعة اليهودية، ويسمونه الحائط المبكي نسبة إلى طقوس يؤديها اليهود قبالة الحائط حدادا على خراب هيكل سليمان… ثم بفضل الدعاية اليهودية أصبح مصلي يهودياً مشهوراً في بداية القرن السادس عشر يحج إليه اليهود من إنحاء العالم، ثم ازدادت أهميته بعد قيام الدولة العبرية منذ عام 1948.
.
أما تاريخ هذا النزاع فيرجع إلى زمن الفتح الإسلامي لبيت المقدس، حيث حول عمر بن الخطاب رضي الله عنه إدارة الحرم القدسي بما فيها حائط البراق للمسلمين، وظلت كذلك حتى في فترات الاحتلال الصليبي لبيت المقدس، إلى أن سمح أمراء الدولة العثمانية لليهود المقدسين فقط من أداء بعض الطقوس الدينية أمام الحائط ، ولكنها حظرت عليهم وضع أية مقاعد أو ستائر تجعل من المكان مصلي دائماً لليهود… ومن خلال محاولات عديدة لشراء الحائط وجعله ملكاً لليهود، أو بالتأثير السياسي لوعد بلفور الذي يعد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، واستغلال الحالة الراهنة بعد الحرب العالمية الأولي بوضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، أستغل اليهود ما أسموه الحائط المبكي في الترويج والدعاية لجذب أكبر عدد ممكن من المهاجرين اليهود إلى فلسطين، لربطهم بأثر مقدس لهم يجمعهم فوق أرض الميعاد، شرع اليهود في اغتصاب بعض الحقوق كوضع مقاعد ومصابيح وحصر وستائر للفصل بين الرجال والنساء والسعي للاحتفال والتجمهر أما الحائط يوم السبت وغيرها… حتى انتفض المسلمون بما عرف بانتفاضة البراق عام 1929 محتجين علي تراخي سلطة الانتداب البريطاني أمام الاغتصاب اليهودي لجزء من الحرم القدسي الشريف.
.
وفي هذا الجو المتوتر بين المسلمين واليهود صدرت قرارات المؤتمر السادس عشر لليهود الذي عقد في مدينة زيورخ السويسرية أغسطس 1929 والتي كان أهم مطالبها فتح أبواب فلسطين على مصراعيها للهجرة اليهودية وبذل كل الجهود من خلال لجنة الدفاع عن الحائط المبكي بنداء لإثارة كافة يهود العالم لإعادة الحائط المبكي لليهود… وإزاء تلك المساعي اليهودية للاستيلاء على حائط البراق وإثارة حفيظة المسلمين والعرب يومياً بإساءة استعمال الحقوق التي تسامح المسلمون معهم في شأن أداء عباداتهم، زادت الاضطرابات وبلغت ذروتها عام 1929 حيث اضطرت سلطة الانتداب البريطاني آنذاك بالتدخل لوضع حد لتلك المشاكل، فطلبت من عصبة الأمم الموافقة على تشكيل لجنة دولية للنظر في حق ملكية الحائط بين العرب واليهود، وفي أول ديسمبر عام 1930 أعلنت اللجنة قرراها ورفعته لعصبة الأمم وسلطة الانتداب بأحقية المسلمين في ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لأنه جزء لا يتجزأ من ساحة الحرم القدسي الشريف والتي هي من أملاك الوقف الإسلامي، وإن أدوات العبادة وغيرها من الأدوات التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط يتم بالاتفاق بين الطرفين ولا يجوز بأي حال أن يكون من شأنها أي حق عيني لليهود في الحائط أو في الرصيف المجاور له المعروفة بحلة المغاربة… ويعتبر هذا التقرير أول وثيقة دولية تثبت حق المسلمين وحدهم في ملكية حائط البراق.
.
وبالرغم من تلك الحقائق من كون حائط البراق المسمى زوراً بحائط المبكى ليس مكانا يهوديا مقدسا، وذلك بكافة المعطيات التاريخية ونتائج التنقيبات عن الآثار، فالموسوعة اليهودية ذاتها تقول أن اليهود لم يصلوا أمام هذا الحائط إلا في عهد الدولة العثمانية، ولا يوجد أي سند علمي بوجود حائط المبكي أو هيكل سليمان، فان الدولة العبرية ظلت تنادي بوجود الهيكل، وزعمت أنه أن لم يكون الحائط الغربي هو الهيكل فمن المؤكد أنه مدفون تحته، أو ربما تحت جزء أخر من المسجد الأقصى.
.
ومنذ احتلال القدس عام 1967 سيطر اليهود على المسجد الأقصى بجميع مداخله وحوائطه، وقام بالتهجير القصرى للسكان المقدسين مسلمين ومسيحيين دون مراعاة لأي حقوق دولية تفرضها المعاهدات والمواثيق الدولية، وبحنكة العقلية اليهودية في نهج الاغتصاب والاستيلاء على ملكية الغير، ومنها حائط البراق، واستغلال حتى الخدمات البريدية للترويج لهذا الحائط ونشر أكاذيب وحكايات عما يقدمه من معجزات الشفاء والتقرب بين المحبين واستجابة الرب لمرسلي تلك الرسائل عند حشرها داخل جدران الحائط، فالرسائل البريدية ترد بالآلف، وبتشجيع ومجاوبة من الإدارة البريدية الإسرائيلية بحسن تأدية الخدمة على الوجه الأكمل، حتى لو كانت رسائل إلكترونية حيث يتم طباعتها وحشرها بالجدار، كل هذا يصب في مصالح الدولة العبرية، ويصب في صالح العقيدة اليهودية الفاسدة لاغتصاب أراضي الغير وصبغها بالصبغة اليهودية الخالصة …
.
أما نحن العرب فنقف عاجزين حتى عن إصدار طابع بريدي موحد لشعبنا الفلسطيني، عاجزين عن إصدار طابع بريدي يسجل تاريخ مسجدنا الأقصى الأسير ومداخله وحوائطه المنتهكة، طابع يعيد ذكري أمجاد عمر بن الخطاب الفاتح الأول لبيت المقدس وصلاح الدين الإيوبي محرره من أيدي الصليبيين…
.
وللحديث بقية ..
ashraf_mojahed63@yahoo.com

البريد الذكي GPS ..



مصطلحات كثيرة ظهـرت في عالمـنا البريــدي، اقتباســاً من ابتكــارات تكنولــوجية ظهــرت حـديثــاً، فالقنـابل الذكيـة، علي سبــيل المثـــال تعتـمد على نظـــام يعـرف بالنظـام العالـمي لتحـديــد إحداثـيـــات المواقــع The Global Positioning System والتي ظهرت على استحياء أواخر الحرب الأمريكية على فيتنام، ثم انتشرت في بادي الأمر كمشروع عسكري أمريكي ضمن ما يعرف بمبادرة الدفاع الاستراتيجي أبان عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، وذاع صيتها أثناء الحرب الأمريكية على ما يسمونه بالإرهاب في كل من أفغانستان والعراق، فالجيش الأمريكي أستعمل تلك القنابل بشكل كبير ومكثف في قصف المدن والقرى الأفغانية والعراقية للتمييز بين المدنيين والعسكريين، على حد زعمهم، فهي قنابل ذكية!!… ثم ما لبثت أن انتشرت في العديد من التطبيقات ذات الطبيعة المدنية.
.
هذه التقنية الحديثة والتي يتم من خلالها تحديد الأهداف على سطح الكرة الأرضية بتحديد إحداثيات خطوط الطول والعرض بواسطة الأقمار الصناعية، وذلك عبر التكامل بين وحدات الإرسال والاستقبال بهذه الأقمار ومثيلاتها على الأرض وبمعاونة الخرائط الإلكترونية التي يتم تغذية وحدات الأقمار الصناعية بها خلال المرسل الأرضي … نجدها قد شاع استخدامها مدنياً، فمدينة شيكاغو الأمريكية تستخدمها لضبط شبكة مواصلاتها الداخلية في تعقب الحافلات للتأكد من سيرها وفق المواعيد المحددة، وكذلك تستخدمها شرطة المدينة لمتابعة الدوريات الأمنية، كما أن شركة كاديلاك الشهيرة بصناعة السيارات بدأت في دمج تقنية GPS لإنتاج سيارة ذكية تقلل بصورة كبيرة من حوادث الطرق من خلال إطلاع السائق مسبقاً بالطريق الأقل ازدحاما والأيسر في وصوله لهدفه النهائي، وتبعتها في ذلك شركات عملاقة كشركة نيسان اليابانية وشركة بيونج لصناعة الطائرت.
.
والبريد كذلك أصبح الآن ذكياً بفضل هذه التقنية الحديثة، فضمن مشروع ضخم سوف يبدأ تنفيذه في الولايات المتحدة الأمريكية مطلع العام القادم 2009 سيتمتع المواطن الأمريكي بمزايا بريدية في فرز واستلام البريد عبر شرائح إلكترونية موحدة قياسياً تثبت بالصناديق البريدية والتي سيكون من السهل بواسطة هذه التقنية تحديد مواقعها إلكترونياً… كما أن البريد السعودي قد بدأ بالفعل خطوات متعاقبة في هذا المجال بطرحه برنامج المحدد السعودي للمعلومات الجغرافية الذي يعتمد بالأساس على تكنولوجيا GPS إلى جانب تكنولوجيا CM الذي يمكن المستخدم من الوصول إلى المكان المستهدف بمجرد البحث وتحديد مكانه بالضبط من خلال الشريحة المثبتة على جهازه المحمول أو على الكمبيوتر الشخصي.
.
وهنــاك تقنــية أخــري تطـــورت بريديــاً بشـكل كبـير خــلال السنـوات القليلة الماضــية وتستـخـدمها العــديـد من البلــدان مثـل: أسبــانـيا وألمــانيــا والبـرازيــل، وتجـربهـا حـاليــاً بنجاح دول الخلـيج العربي وهي التعــرف بواســطة التـــرددات الراديــــوية Radio Frequency Identification Device وتتم بوضع رقائق إلكترونية صغيرة تحل محل طابع البريد، تحتوي على عنوان الراسل والمرسل إليه وأية معلومات إضافية كالوزن ونوع الإرسال (مستعجل أو جوي)… ويتولى جهاز الكمبيوتر قراءة تلك المعلومات بواسطة التعرف على الهوية لاسلكياً بموجات الراديو، وتوزيع الرسائل والطرود على خطوط إلكترونية متحركة تقود إلى محل تجميع الرسائل الموجهة إلى المرسل إليه، وهذا يعني أن البريد لن يحتاج إلى موظفين لفرزه، ولن تكون هناك حاجة إلى تجميعه في مخازن كبيرة، بل ويمكن قيادته إلكترونيا إلى السيارة أو القطار أو الطائرة التي ستحمله.
.
وليس هناك أدني شك في أن أستخدام تلك التقنيات الحديثة سوف يتنامي ويجتاح عالمنا البريدي، ويحدث ثورة تكنولوجيا به خلال السنوات القليلة القادمة، ولا عزاء للأغبياء !!..
.
وللحديث بقية …
ashraf_mojahed63@yahoo.com

الجمعة، 20 فبراير 2009

البريديـــات ...


منذ القدم وعلى مر العصور سمعنا عن ساعي البريد، ولم نسمع عن ساعيات للبريد، شاهدنا البوسطجي، ولم نشاهد البوسطجية… فمهنة القيام بالمهام البريدية انتسبت دائماً بالرجال دون النساء، على الرغم من أن التاريخ يذكر لنا قيامها بهذه المهمة قديماً وحديثا …فتحكي لنا كتب السنة والتفاسير واقعة شهيرة قامت بها امرأة استعملها الصحابي حاطب ابن أبي بلتعة في القيام بمهمة توصيل رسالة إلى بعض أقاربه من قريش يخبرهم فيه بعزم وموعد قيام النبي صلي الله عليه وسلم بفتح مكة… ورغم انتفاء الصبغة الوظيفية لتلك المهمة، إلا أنها تعد السابقة الأولي لقيام امرأة بالعمل كبريدية…
.
والقصة سردت بمعظم كتب السنة والتفاسير عند شرح بداية سورة الممتحنة، حيث كانت سبباً لنزول السورة، وذلك أن حاطباً هذا كان رجلاً من المهاجرين وكان ممن شهد غزوة بدر، وكان له بمكة أولاد ومال ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفاً لعثمان، فلما عزم الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم فتح مكة لما نقضت قريش عهدها معه، فأمر النبي المسلمين بالتجهيز لهذا الفتح وقال: اللهم عم عليهم خبرنا… فعمد حاطب فكتب كتاباً وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم فيه بما عزم عليه الرسول الكريم ليتخذ بذلك عندهم يداً يساعده على حفظ ماله وولده بمكة… فأطلع الله تعالي رسوله الكريم صلي الله عليه وسلم استجابة لدعائه، فبعث رجالاً في أثر المرأة التي أعطاها حاطب الرسالة، فأخذت الرسالة منها، وعلم النبي صلي الله عليه وسلم بأمر حاطب فقال: يَا حَاطِب مَا هَذَا ؟ قَالَ لا تعجل علي إني كنت إمراً ملصقاًَ في قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قربات يحمون أهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بِهَا قرابتي وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم إنه صدقكم، فقال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم إِنَّهُ قد شهد بدراً ما يدريك لعل الله أطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله السورة (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحق) http://quran.muslim-web.com/sura.htm?aya=060 .
.
أما حديثاً فالبريديات ذاع صيتهن وظهرن كموزعات للبريد بإدارات بريدية رائدة مثل البريد الألماني والبريد الفرنسي، وحتى بالبلدان الأفريقية ظهرن مؤخراً يحملن الحقائب البريدية والقيام بتلك المهمة الشاقة، ففي جيبوتي كما نشرت مجلة البريد الصادرة عن الاتحاد البريدي العالمي بعددها يونيه 2007 أنه تم تعيين ثلاث موزعات للبريد كجزء من وحدة جديدة للتوزيع بمحل الإقامة للبريد الموجه إلى كبار العملاء مثل الوزارات والسفارات والمنظمات الدولية، حيث يقمن بالانتقال بواسطة الدراجات النارية.
.
كما شاهدنا بعض الرائدات في العمل البريدي يقمن بأعمال نقابية جليلة بالدفاع عن حقوق البريدين والبريديات على السواء، كالسيدة/ نجية عبد الغفار بإدارة بريد البحرين والسيدة/ عتيقة سمراح بإدارة بريد المغرب، حيث اعتصمت الأخيرة أكثر من مرة احتجاجاً على خصخصة البريد المغربي… وفي البريد السعودي لابد أن نذكر مجهودات السيدة/ مرفت الكيالي رئيسة القسم النسائي بإدرة بريد جدة وريـادتها للتجربة الفريدة التي يقوم بها البريد السعودي منذ عام 1989 وذلك بافتتـاح العديـد من المكاتب البريدية المخصـصة للخدمة البريدية النسائية، والاستعانة بالعديد من الجامعيـات في أعمال الفـرز ومختلف الوظـائف البريدية بتلك المكاتب.
.
أما إدارة بريد مصر فلا يسعني إلا أن أشهد وأذكر بكل خير ثلاث رائدات قدمن للبريد المصري العديد من الخدمات الجليلة وتقدمن بالعمل البريدي في تخصصاته المختلفة إلى مستويات عالية من الكفاءة والرقي، وشغلن مناصب عليا… وهن السيدة/ سوزان خليل، رئيس قطاع التخطيط والتنظيم والسيدة/ نازك عبد الحليم، مدير عام الخدمات المركزية والسيدة/ وفاء حسين، مدير عام العلاقات العامة والتسويق.
.
أما الآن فنجد بعض البريديات قد قطعن شوطاً مهماً باعتلاء وظائف هامة كرئيس قطاع أو مدير عام ويتقدمن بالعمل بتخصصاته المختلفة نحو مزيد من التقنية والإداء الرائع، بينما نجد الكثيرات منهن قد خرجن صفر اليدين ولم يتكلفن إلا مشقة الحضور للعمل صباحاً…
.
وللحديث بقية ..

التاريخ البريدي ..


التاريخ هو الأب الشرعي لكافة العلوم الإنسانية، وواحد من أقدم المجالات التي شغلت العقل الإنساني، فالتاريخ يمكن وصفه بأنه التعبير عن الاهتمام الإنساني بالماضي البشري واهتمام كل جماعة إنسانية بماضيها سواء كان يجمعها مجتمع واحد أو دولة واحدة أو لا يجمعها… يبحث عن ماضيها، كيف ولماذا نشأت ؟ وكيف تطورت وعاشت وأنتجت ثقافتها وحاجاتها المادية والمعنوية ؟ وكيف كانت علاقاتها بالآخرين وحراكها الداخلي بين أفراد مجتمعها وأجيالها وطبقاتها ؟ … ومن الطبيعي اختلاف هذا الوصف باختلاف الأزمنة وتغير نظرة البشر إلى الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية لمجتمعاتهم.
.
ويقول مؤرخو علم التاريخ أنه بدأ على يد المؤرخ الرحالة اليوناني القديم هيرودتس وخليفته ثيوسيديديس في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، فالأول كتب عن الحروب الإغريقية والفرس وكتب الثاني عن الحروب الأهلية بين المدن الإغريقية، ومن المحقق أنهما كانا يستوحيان كتابتهما من سجلات ورسومات وما كتب على جدران المعابد والمقابر… وفي مصر وبلاد الرافدين وفارس والهند كان التاريخ يمثل مرحلة من تطور الاهتمام الإنساني ذاته بتسجيل الماضي والإشادة بالذات الجماعية للقبيلة أو للأمة والمتمثلة في أبطال وملوك وقادة تلك الأمة في صورة الملاحم أو الأساطير والحكايات الشعبية القديمة مثل أسطورة حورس في مصر أو أنشودة جلجامش في بلاد الرافدين أو حكايات الهجرة والمعارك التي شهدها حوض السند والتي أدمجت في الجيتا الهندية… كل هذه السجلات المحفورة أو المكتوبة أو الشفهية كانت بلا شك الجذور الأولي لعلم كتابة التاريخ.
.
وإذا كان اليونانيون أول من بدأ علم التاريخ، فالعرب الأمويين أول من وضعوا أصوله وقواعده، وذلك خلال تأسيس علم الحديث الشريف حيث تطلب التحقق من صحة الحديث التحقق من سلامة إيمان الرواة بما يعرف بعلم الجرح والتعديل، والتحقق من صحة الواقعة التي قيل الحديث بشأنها… وكان لكتابة السيرة النبوية والحديث الشريف دوراً كبيراً في تأسيس علم التاريخ ومناهجه التي قامت على المقارنة والفحص أو النقد العقلي للمصادر والرواة والأزمنة… ويعتبر عبد الرحمن بن خلدون صاحب مقدمة ابن خلدون أول من سعي إلى تطوير منظور وضعي لفهم التاريخ مستفيداً بما حققه الفكر الإسلامي عامة في محاولة فهمه للظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية… وفي العصر الحديث بدأ تطور علم التاريخ في القرن السادس عشر منذ كتب جيبون تاريخ روما، والفليسوف ديفيد هيوم تاريخ إنجلترا… ولكن التاريخ ظل محتضناً بالأدب لا ينفك عنه يسعى إلى السرد المسلي للأحداث الكبرى، كما يسعى لاستخلاص العبر الأخلاقية والتوجيه السياسي لتجنب أخطاء الماضي، حتى أضحي الآن ذا تكريس ثقافي للأمم للحفاظ على الهوية القومية.
.
والتاريخ البريدي جزء من هذا التاريخ، فالبريد أرتبط دائماً بالتجمعات البشرية منذ عرف الإنسان الاتصال ببني جنسه، مرتبط بالمدنية ومعانق للحضارات أينما وجدت… فنجد في مصر أول وثيقة جاء بها ذكر للبريد يرجع تاريخها إلى عهد الأسرة الثانية عشر قبل 2000 سنة قبل الميلاد وهي وصية كاتب لولده يطلعه فيها على أهمية صناعة الكتابة والمستقبل الذي ينتظر الكاتب في وظائف الحكومة، ويتحدث فيها عن بؤس أصحاب الحرف والصناعات الأخرى، فقد قال هذا الكاتب ضمن ما قال: أما ساعي البريد فأنه يحمل أثقالا فادحة، ويكتب وصيته قبل أن ينطلق في مهمته توقعاً لما قد يصيبه من الوحوش والأسيويين، ولعل أقدم وأهم مجموعة تدل على أن الفراعنة كان لديهم نظاماً للبريد، مجموعة رسائل تل العمارنة المكتوبة بالخط المسماري وهي عبارة عن سجل للمراسلات السياسية نقلها أمينوفيس الرابع سنة 1364 قبل الميلاد من طيبة إلى تل العمارنة، وقد تبودلت العديد من الرسائل بين أمينوفيس الثالث والرابع فيما بين عام 1405 و1352 قبل الميلاد وبين ملوك الحيثيين وأشور وبابل وقبرص وصقلية… وفي وادي الرافدين تم العثور على رقع طينية سومرية وبابلية تشير إلى وجود رسائل تحمل أختاما مدون عليها بريد مستعجل، كما كانوا يستخدمون الدواب في نقل تلك الرقع من مدينة لأخرى… وفي الصين كان البريد في عهد أسرة تشو فيما بين 1122 و222 قبل الميلاد يستخدم لمقتضيات البلاط الإمبراطوري وكان تحت تصرف إدارة تلك الخدمة نحو 80 رسولاً موزعين على المحاور الكبرى للبلاد ، وفي حكم تانج فيما بين 905 و618 قبل الميلاد كانت تستخدم عربات للبريد عرفت باسم البريد الطائر حيث كانت تقطع نحو 250 كيلومتر في اليوم الواحد… وفي بلاد فارس يبدو أنهم أول من استخدم الفرسان لتبليغ الأنباء، فكان قيروس الأكبر فيما بين 558 و528 قبل الميلاد يريد أن يكون على اتصال مستمر مع حكام الأقاليم فحسب بنفسه المسافات التي يستطيع أي فارس أن يقطعها في اليوم الواحد وأمر بإنشاء مرابط للخيول يبعد الواحد منها عن الآخر مسافة يوم سفر… وفي اليونان القديمة ومع اتساع الإمبراطورية الرومانية تطلب تنظيم تبليغ الأنباء وملاءمته الدائمة قبل كل شئ لمقتضيات الدولة الرومانية فأنشئت محطات عديدة على طول الطرق وعلى مسافات محددة حيث كان رسل البريد يتناوبون بتلك المحطات، وكان رسائل الرومان تصنع من لوحات من خشب مجوفة قليلا في أحد أوجهها وتغطي بالشمع ويكتب عليها بمرود من العظم أو المعدن.
.
وهكذا كتب البريد تاريخه منذ العصور القديمة متأثراً بالحضارات وبزوغ نجم الإمبراطوريات قديماً وحديثاً، حتى صار هو ذاته مدوناً للتاريخ، يروي له ويسجل إحداثه من خلال طوابعه ونوادره… وهذا ما لمحه القائمون على مكتبة الإسكندرية مؤخراً، فمن خلال موسوعة ذاكرة مصر تم الإشارة إلى نحو 400 طابع مصري دون من خلالها تاريخ البريد الحديث في مصر وتطوره على يد محمد علي باشا حتى انتقاله إلى بدء استخدام الطائرات في نقل البريد المصري عام 1932، وهو ما يعرف بالعصر الذهبي للبريد المصري حيث تم انتقال ملكيته من الأجانب إلى الحكومة المصرية ونقل مقره الرئيسي من الإسكندرية إلى القاهرة، كما تم عقد المؤتمر العاشر للاتحاد البريد العالمي بالقاهرة عام 1934، وافتتح أول متحف للبريد يذخر بالعديد من القطع الآثرية والطوابع النادرة، وهو جهد مشكور للقائمين على مكتبة الإسكندرية… بيد أن ماينقصنا استكمال هذا التاريخ، تاريخ طويل منذ نشأة البريد وتطوره في مصر على يد سلاطين الدولة الإيوبية مروراً بنشأة البريد حديثاً علي يد محمد علي واستكمالا لتاريخ البريد حتى يومنا هذا… فمنذ قيام ثورة يوليو 1952 ولم نشعر أن هناك بريداً يدون له رغم آلاف الطوابع والنوادر والحكايات التي لا تؤرخ البريد وحده ولكن تؤرخ لحياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية …
.
وللاستفادة يرجي تصفح موضوعي تاريخ البريد الجوي المصري وتاريخ البريد في العصر النبوي بتلك المدونة ...
.
وللحديث بقية …
ashraf_mojahed63@yahoo.com

صينية البريد بالدجاج ..


خلال الشهر الماضي وصلني العديد من الرسائل عبر بريدي الإلكتروني، البعض معجب جداً بما أكتبه، ويشجعني ويتمني لي التوفيق، ويطلب مني المزيد من المعلومات البريدية، والبعض الآخر يعاتب ويتمني أن أغير نظرتي المتشائمة بعض الشئ، وأن أنظر للأمور نظرة إيجابية ومتوافقة مع الواقع، وأن أنظر لنصف الكوب المليان بدلا من النظر لنصف الكوب الفارغ… البعض الآخر خاصة من الرؤساء تجاهلني وقابلني متجهماً، ومنهم من عاتبني، وتلقيت بعض اللوم من بعضهم على ما أكتبه بتلك المدونة المتواضعة من أفكار ومعلومات بريدية، ومن ثم واجهت مزيد من العزلة والتجاهل.
.
فالاختلاف في وجهات النظر قد يكون نقمة على صاحبه خاصة إذا ما كان صاحبة من أصحاب الأدمغة التي لا تلين بسهولة وتساير مجريات الحياة، فبعض رؤساء العمل يحبون دائماً أن تزين الأمور بالتمام، ولا يحبون طرح ومناقشة المشاكل وما يعيق العمل… كل ذلك جعلني امتنع بعض الوقت عن الكتابة حتى اهتديت مؤخراً لطريقة جديدة واسعة الأفق أستطيع منها إلقاء الضوء على المزيد من المعلومات البريدية وبعيدة عما يعتبره البعض تلميحاً عن شئ ما، فشرعت في البحث عن الحضارة الصينية وتاريخها البريدي، حيث يعتبر البريد الصيني من أقدم الأنظمة البريدية منذ عرف الإنسان أهمية الاتصال مع بني جنسه من البشر..
.
شرعت في البحث والتنقيب عن كل ما يتعلق بالبريد الصيني من وسائل البحث المعروف من كتب ونشرات ومواقع إلكترونية عبر الانترنت… وبدأت في تجميع المعلومات وترتيب الأفكار حتى أظهر عظمة وتطور البريد الصيني عبر تاريخ طويل يمتد من القرن الحادي عشر قبل الميلاد..
.
وإذ بي وأنا أداوم البحث عبر الانترنت أجد عنواناً يعتقد أنه متعلق بالبريد الصيني إلا وهو صينية البريد بالدجاج، وعلى الفور فتحت الموقع فوجدت أنها طريقة عمل طبخة ولا علاقة لها بالبريد الصيني، وهي كالتالي:
المقادير: نصف دجاجة مسلوقة ومنزوعة الجلد والعظم/ خبز بريد (توست)/ بيضة/ ملح وفلفل/ بصلة كبيرة + طماطم + جزر/ مبشور قشطة.
طريقة التحضير: نزيل حواف البريد ونصفه في صينية مدهونة بالزيت/ نحمص البصل ثم نضيف الطماطم والجزر المبشور وبعدها نضيف الدجاج ونضع الملح والفلفل ونضيف القشطة/ نضع الخلطة السابقة فوق البريد وبعدها نصف طبقة بريد أخرى وعندها نضع فوقه البيض/نضع الصينية في الفرن لمدة ثلث ساعة ثم تقدم ساخنة.
.
ولعل الحديث عن الطبخ أكثر ملائمة هذه الأيام من الحديث عن البريد ومشاكله، وقد يكون أكثر فائدة خاصة للأخوات اللاتي يطلعن على المدونة..
.
وبالهناء.. وللحديث بقية ..